بالمجتمع البشري والعالم الإنساني .
قاتل اللَّه الجهل بصورة العلم والباطل بزي الحقّ ، ما أعمه وأعمى وأبعد هذا الخيال عن الحقيقة وأنقضه لدعائم العقل وأعمدة الحصافة « 1 » !
يا هل ترى كيف عزب عن هؤلاء الباحثين أنّه لولا النزوع والحنين إلى الأوطان لما انبسط على هذه البسيطة مهاد العمران ، ولولا سيطرة القوانين والطقوس شرعية أو وضعية لانتكس هذا النوع البشري من أوج الإنسانية إلى حضيض الحيوانية ؟ !
فهل ينتج من رفض تينك الفضيلتين الماديّة والأدبية إلّارذيلة الهمجية ورجوع الإنسان إلى أقدم عهوده في الحياة الكونية ، يوم كان يسكن المغارات والكهوف ويهيم على وجهه في الأرض ، يأكل ما هبّ ودبّ ويريك من الوحشية والعداء كلّ عجب ؟ !
عساك فيما ههنا تناجي وجدانك وتستفزّ أنت في نفسك عواطفك وترفع عرض هذا الحال إلى محكمة عقلك طالباً الفرق بين قول من يقول : إنّما دنياي نفسي . . . الخ ، وبين قول ذلك الحماسي الجاهلي بل العالم الأخلاقي القائل :
وأعرض عن مطاعم قد أراها * فأتركها وفي بطني انطواء
فلا وأبيك ما في العيش خير * ولا الدنيا إذا ذهب الحياء « 2 »
وازن أنت بين من يقول : إنّ الدين والوطن مضرّان بالمجتمع الإنساني ، وبين قول الفلسفي الاجتماعي القائل :
هامش
( 1 ) الحصافة : ثخانة العقل . والحصيف : الرجل المحكم العقل . ( لسان العرب 3 : 206 ) .
( 2 ) نُسب هذان البيتان لأبي تمّام الطائي في معجم الأبيات الشهيرة 13 . وراجع : ديوان أبي تمّام 2 : 311 ، ديوان الحماسة 2 : 25 .