تجهد بكلّ الأسباب والعوامل وتنصب كلّ الأشراك والحبائل لصيد هذا الطائر القدسي وإزهاق روحه وإطفاء جمرات الغيظ بقطرة دم حياته .
لم تدع سبيل حيلة لذلك إلّاسلكته ، ولا ملاك خدعة إلّاامتلكته ، ولا قوى مكر إلّااستعملتها ، ولا ربوة غدر إلّاافترعتها « 1 » ، ولا مظنّة باب عدوان إلّا قرعتها ، ولا سيطرة سلطة إلّاضربتها .
فأقلام تجري ، ودعاة تسري ، ورسل تبشّر ، وكتب تكتب ، ورسائل تنشر ، وأموال تستميل ، وأحوال تحيل ولا تستحيل ، إلى كثير من أمثال ذلك من إعمال القوى الروحية والكتائب الدينية والجيوش الملّية .
نعم ، وتعضدها مدافع في البرّ ، وأساطيل في البحر ، وطيّارات في الجوّ ، ومدمّرات في كلّ دوٍّ « 2 » ، إلى وفير من أمثالها في إعمال القوى القهرية والسلطة الملكية . .
وسياسات ومؤتمرات ، واتّفاقات واجتماعات ، وحلّ وعقود ، ونقض وعهود ، وبرقشة « 3 » وخداع ، ولين وزماع « 4 » ، وتساهل وامتناع ، وأثواب تحبّب وابتشاش ، وعلى أجسام حقد واغتشاش ، وظاهر نصح ووفاق على باطن خدع ونفاق ، وإجهار ودٍّ وولاء ، يسرّ حسواً في ارتغاء « 5 » ، إلى ما لا أُحصيه من
هامش
( 1 ) افترعتها ، أي : علتها وارتفعت عليها . ( لسان العرب 10 : 238 ) .
( 2 ) الدوّ : الفلاة . ( القاموس المحيط 4 : 331 ) .
( 3 ) البرقشة : شبه تنقيش بألوان شتّى . ( لسان العرب 1 : 384 ) .
( 4 ) الزماع : الإقدام على الأُمور . ( جمهرة اللغة 2 : 816 - 817 ) .
( 5 ) الحسو : طعام معروف عند العرب . والارتغاء : شرب الرغوة ، وهي زُبد اللبن . ( صحاح اللغة 6 : 2312 و 2360 ) .
راجع مجمع الأمثال 2 : 496 .
وهذا مثل يضرب لمن يظهر أمراً ويريد غيره .
وأصله : أنّ الرجل يؤتى باللبن ، فيظهر أنّه يريد الرغوة خاصّة ولا يريد غيرها ، فيشربها وهو في ذلك ينال من اللبن . هذا ما ذكره الأصمعي .