وأمّا عمره ، ففي أيّام المعتمد على اللَّه خاف فاختفَى وإلى الآن ، فلم يمكن ذكر ذلك ؛ إذ من غاب وأن انقطع خبرُه لا توجب غيبتُه وانقطاعُ خبره الحكم بمقدار عمره ، ولا بانقضاء حياته ، وقدرة اللَّه تعالى واسعة ، وحِكَمُهُ « 1 » وألطافه بعباده عظيمة عامّة ، ولو رام عظماء العلماء أن يدركوا حقائق مقدوراته وكنه قدره ؛ لم يجدوا إلى ذلك سبيلًا « 2 » ، ولانقلب طرفُ تطلّعهم إليه حسيراً ، وحدّه كليلًا وأملأَ عليهم لسانُ عجزهم عن الإحاطة به ،
« [ يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ] »
« 3 » .
وليس ببدعٍ ولا مستغرَبٍ تعمير بعض عباد اللَّه المخلصين ولا امتداد عُمُرِه إلى حين ، فقد مدّ اللَّه أعمار جمع كثير من خلقه من أصفيائه وأوليائه ، ومن مطروديه وأعدائه ، فمن الأصفياء عيسى عليه السلام ، ومنهم الخضر عليه السلام ، وخلق آخرون من الأنبياء عليهم السلام طالت أعمارهم حتّى جاز كلّ واحد منهم ألف سنة أو قاربها كنوح عليه السلام وغيره « 4 » .
وأمّا من الأعداء والمطرودين فإبليس والدجّال ، ومن غيرهم كعاد الأولى كان منهم من يُقارب عمره الألف ، وكذلك لقمان صاحب لُبَد .
وكلّ هذا لبيان اتّساع القدرة الربّانية في تعمير بعض خلقه ، فأيّ مانع يمنع من امتداد عمر الخلف الصالح إلى أن يظهر فيعمل ما حكم اللَّه تعالى له به ؟
وحيث وصل الكلام إلى هذا المقام وانتهى جريانُ القلم بما خَطَّه من هذه الأقسام الوِسام ؛ فلنختمه بالحمد للَّهربّ العالمين ، فإنّها كلمة مباركة جعلها اللَّه سبحانه وتعالى آخر دعوى أهل جنانه ، وخصّها بمن « 5 » اجتباه من خليقته ، وكساه ملابسَ رضوانه .
فهذا آخر ما حرّره القلمُ من مناقبهم السنيّة ، وسطره من صفاتهم الزكيّة ،
هامش
( 1 ) ق ، ك : « وحكمته » .
( 2 ) إلى هنا انتهى ترميم نسخة ق ، والظاهر - كما قلتُ سابقاً - أنّها كتبت عن نسخة الكفعمي ، أو عن نسخة كتبت عنها .
( 3 ) الإسراء : 17 : 85 .
( 4 ) وبعده في خ : « قلت : نوح عليه السلام جاوز الألف ، لأنّه لبث في قومه ألف إلّاخمسين وعاش بعد ذلك وقبله » .
( 5 ) ن ، خ : « من » .