الغراب خصالًا ثلاثاً : استتارَه بالسِّفاد ، وبُكورَه في طلب الرزق ، وحَذَرَه » « 1 » .
وعن ياسر الخادم قال : سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول : « إنّ أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن : يوم يولد ويخرج من بطن أمّه فيرى الدنيا ، ويوم يموت فيعاين الآخرة وأهلها ، ويوم يُبعث فيرى أحكاماً لم يرها في دار الدنيا ، وقد سلّم اللَّه عزّ وجلّ على يحيى عليه السلام في هذه الثلاثة المواطن وآمن رَوعَتَه ، فقال :
« وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا »
« 2 » ، وقد سلم عيسى ابن مريم عليه السلام على نفسه في هذه الثلاثة المواطن فقال :
« وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا »
« 3 » » . « 4 »
وعنه عليه السلام : « إنّ اللَّه عزّ وجلّ أمر بثلاثة مقرون بها ثلاثة أخرى : أمر بالصلاة والزكاة فمن صلّى ولم يزكّ لم تقبل منه صلاته ، وأمر بالشكر له وللوالدين فمن لم يشكر والديه لم يشكر اللَّه ، وأمر باتقاء اللَّه ( تعالى ) « 5 » وصلة الرحم ، فمن لم يصل رحمه لم يتّق اللَّه عزّ وجلّ » « 6 » .
وقال عليه السلام : « من علامات الفقه الحلم والعلم والصَمت ، إنّ الصَمتَ باب من أبواب الحكمة ، إنّ الصَمت يُكسِب المحبّة ، إنّه دليل على كلّ خير » « 7 » .
هامش
( 1 ) عيون أخبار الرضا : 1 : 233 ب 26 ح 10 وفي ط المحقّق : 1 : 492 / 203 .
ورواه أيضاً في الخصال : ص 100 باب الثلاثة ح 51 .
السِّفاد : نَزْو الذكر على الأنثى .
( 2 ) سورة مريم : 19 : 15 .
( 3 ) سورة مريم : 19 : 33 .
( 4 ) عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1 : 233 ب 26 ح 11 وفي ط المحقّق : 1 : 493 / 204 .
ورواه أيضاً في الخصال : ص 107 باب الثلاثة ح 71 ، وأبومحمّد جعفر بن أحمد القمّي في كتاب الغايات : ص 228 .
( 5 ) من ن ، خ .
( 6 ) عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1 : 234 ب 26 ح 13 وفي ط المحقّق : 1 : 493 / 206 .
ورواه أيضاً في الخصال : ص 156 باب الثلاثة : ح 196 ، والحموئي في الفرائد : 2 : 222 / 500 .
( 7 ) عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1 : 234 ب 26 ح 14 وفي ط المحقّق : 1 : 494 / 207 .
ورواه أيضاً في الخصال : ص 158 باب الثلاثة ح 202 ، والحميري في قرب الإسناد : ص 369 ح 132 ، والكليني في الكافي : 2 : 113 كتاب الإيمان والكفر باب الصمت وحفظ اللسان ح 1 ، والمفيد في الاختصاص : ص 232 ، وابن شعبة فيتحف العقول : ص 442 و 445 .
قال المجلسي رحمه الله : وكأنّ المراد بالفقه العلم المقرون بالعمل ، فلا ينافي كون مطلق العلم من علاماته ، أو المراد بالفقه التفكّر والتدبّر في الأمور ، قال الراغب : الفقه هو التوصّل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخصّ من العلم ، قال تعالى : « فمال هؤلاء القوم لايكاون يفقهون حديثاً » [ النساء : 78 ] « بأنّهم قوم لا يفقهون » [ الأنفال : 65 ] إلى غير ذلك من الآيات ، والفقه : العلم بأحكام الشريعة ، انتهى .
وقيل : أراد العلم فيما يقول والصمت عمّا لا يعلم أو يضرّ ، وقيل : المراد بالعلم آثاره أعني إثبات الحقّ وإبطال الباطل وترويج الدين وحلّ المشكلات ، انتهى .
وأقول : قد مرّ بسند آخر عنه عليه السلام : « من علامات الفقيه الحلم والصمت » ، ويظهر من بعض الأخبار أنّ الفقه هو العلم الربّاني المستقرّ في القلب الّذي يظهر آثاره على الجوارح .
« إنّ الصمت باب من أبواب الحكمة » : أي سبب من أسباب حصول العلوم الربّانيّة ، فإنّ بالصمت يتمّ التفكّر ، وبالتفكّر يحصل الحكمة أو هو سبب لإفاضة الحكم عليه من اللَّه سبحانه ، أو الصمت عند العالم وعدم معارضته ، والانصات إليه سبب لإفاضة الحكم منه ، أو الصمت دليل من دلائل وجود الحكمة في صاحبه . « يكسب المحبّة » : أي محبّة اللَّه أو محبّة الخلق ، لأنّ عمدة أسباب العداوة بين الخلق الكلام من المنازعة والمجادلة والشتم والغيبة والنميمة والمزاح ، وفي بعض النسخ : « يكسب الجنّة » ، وفي سائر نسخ الحديث : « المحبّة » . « إنّه دليل على كلّ خير » : أي وجود كلّ خير في صاحبه ، أو دليل لصاحبه إلى كلّ خير . ( مرآة العقول : 8 : 210 - 211 )