الوجه شديد السمرة ضعيفٍ ، فوق ثيابه ثوبٌ من صوفٍ ، مشتملٍ بشملة ، في رِجْلَيْه نعلان ، وقد جلس منفرداً ، فقلت في نفسي : هذا الفتى من الصوفيّة يريد أن يكون كَلّاً على النّاس في طريقهم ، واللَّه لأمضينّ إليه ولأُوَبِخَنَّه ، فدنوتُ منه ، فلمّا رآني مُقبلًا قال : « يا شقيق ،
« اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ »
« 1 » » ، ثمّ تركني ومضى ، فقلت في نفسي : إنّ هذا لأمر عظيم ، قد تكلّم بما في نفسي ونطق باسمي ، وما هذا إلّا عبد صالح ، لألحقنّه ولأسألنّه أن يحالّني ، فأسرعت في أثره فلم ألحَقْه وغاب عن عيني .
فلمّا نزلنا واقِصة « 2 » وإذا به « 3 » يصلّي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تجري ، فقلت :
هذا صاحبي أمضي إليه واستحلّه ، فصبرت حتّى جلس وأقبلت نحوه ، فلمّا رآني مقبلًا قال ( لي ) « 4 » : « يا شقيق اتلُ :
« وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى »
« 5 » » ، ثمّ تركني ومضى ، فقلت : إنّ هذا الفتى لمن الأبدال ، لقد تكلّم على سرّي مرّتين .
فلمّا نزلنا زُبالة « 6 » إذا بالفتى قائم على البئر وبيده رَكوة يُريد أن يَستَقي ماءاً ، فسقطت الركوة من يده في البئر وأنا أنظُرُ إليه ، فرأيتُه قد رمق السماء وسمعته يقول :
أنت ربّي إذا ظَمِئتُ إلى الما * ء وقُوتي إذا أردتُ الطعاما
« اللهمّ سيّدي ، مالي غيرها فلا تَعْدِمنيها « 7 » » .
هامش
( 1 ) الحجرات : 49 : 12 .
( 2 ) واقِصة - بكسر القاف والصاد مهملة - : منزل بطريق مكّة بعد القرعاء نحو مكّة وقبلالعقبة لبني شهاب من طئ ، ويقال لها : واقصة الحزون ، وهي دون زُبالة بمرحلتين . ( معجم البلدان ) .
( 3 ) في ن : « هو » .
( 4 ) من ن ، خ والمصدر .
( 5 ) سورة طه : 20 : 82 .
( 6 ) زُبالة - بضمّ أوّله - : منزل معروف بطريق مكّة من الكوفة ، وهي قرية عامرة بها أسواقبين واقصة والثعلبيّة . ( معجم البلدان ) .
( 7 ) في المصدر : « فلاتحرمنيها » .