زيّ أهل الحجاز ، فصار يجتاز بجماعة جماعة يسلّم عليهم ولا يشكّون في أنّه هو الحسين ( عليه السلام ) ، فيمشون بين يديه ويقولون : مرحباً بابن رسول الله قدِمت خيرَ مقدم ، فرأى عبيد الله من تَباشرهم بالحسين ما ساءه وكشف أحوالهم وهو ساكت .
فلمّا دخل قصر الإمارة وأصبح جمع النّاس وقال وأرعد وأبرق وقتل وفتك وسفك وانتهك ، وعمَلَه وما اعتمده مشهور في تحيّله حتّى ظفر بمسلم بن عقيل وقَتَله .
وبلغ الحسين ( عليه السلام ) قتل مسلم وما اعتمده عبيد الله بن زياد وهو متجهّز للخروج إلى الكوفة ، فاجتمع به ذووا النصح له والتجربة للأمور وأهلُ الديانة والمعرفة كعبد الله بن عبّاس وعمر بن عبد الرحمان بن الحارث المخزومي وغيرهما ، ووردت عليه كتب أهل المدينة من عبد الله بن جعفر وسعيد بن العاص وجماعة كثيرين كلّهم يشيرون عليه أن لا يتوجّه إلى العراق وأن يقيم بمكّة ، هذا كلّه والقضاء غالب على أمره ، والقَدَرُ آخذ بزمامه ، فلميكترث بما قيل له ولا بما كتب إليه ، وتجهّز وخرج من مكّة يوم الثلاثاء وهو يوم التروية الثامن من ذي الحجّة ، ومعه اثنان وثمانون رجلًا من أهله وشيعته ومواليه ، فسار فلمّا وصل إلى الشُقوق « 1 » وإذا هو بالفرزدق الشاعر وقد وافاه هنالك ، فسلّم عليه ثمّ دنا منه وقَبَّل يده ، فقال له الحسين ( عليه السلام ) : « من أين أقبلت يا أبا فراس » ؟
فقال : من الكوفة .
فقال :
« كيف تركت أهل الكوفة » ؟
فقال : خَلَّفت قلوبَ النّاس معك وسيوفهم مع بني أميّة عليك ، وقد قلّ الديّانون ، والقضاء ينزل من السماء ، والله يفعل في خلقه ما يشاء « 2 » . وجرى بينهم كلام تقدّم ذكره في آخر الفصل الثامن . « 3 »
هامش
( 1 ) شُقُوق : منزل بطريق مكّة بعد واقصة من الكوفة . ( معجم البلدان ) .
( 2 ) انظر أمالي الخميسية : ج 1 ص 186 .
( 3 ) تقدّم في ص 479 . .