وكاد أن يبطل بفعله نظام التدبير في الدين ، ففزع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم في تلافى الفارط ، وإصلاح الفاسد ، ودفع المَعَرّة عن الدين إلى أمير المؤمنين ، فأنفذه لعطف القوم وسَلّ سخايمهم والرفق بهم ، وتثبيتهم على الإيمان ، وأمره أنّ يَدِي القتلى ويُرضى أولياء دمائهم .
فبلغ أمير المؤمنين من ذلك مبلغ الرضا ، وزاد على الواجب فيما تبرّع به عليهم من عطيّة ما كان فضل معه الأموال ، وقال : « قد أعطيتكم دية ما عرفتم وزدتكم لتكون دية ما لم تعلموا أنتم ولا نحن ، ليرضى اللَّه عن رسوله صلى اللَّه عليه وآله وسلّم ، وترضون بفضله عليكم » .
وقال النبىّ صلى اللَّه عليه وآله وسلّم : « اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد » . ف تمّ بأمير المؤمنين عليه السلام الصلاح ، وانقطعت به مواد الفساد ، وشكر النبىّ فعله ، وهي معدودة من مناقبه « 1 » .
قلت : هذه القصّة من فعل خالد ، وبراءة النبىّ من فعله ، وإنفاذ أمير المؤمنين لاستدراك الحال من الأمور المشهورة ، أوردها نقلة الأخبار من المخالف والمؤالف .
قال أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري في تاريخه : إنّ النبىّ صلى اللَّه عليه وآله وسلّم بعث خالداً حين بعث إلى ما حول مكّة داعياً ولم يبعثه مقاتلًا ، فوطأ بنى جذيمة ، وكانوا في الجاهليّة أصابوا عوف بن عبد عوف أبا عبد الرحمان بن عوف ، والفاكه بن المغيرة ، وكانا أقبلا تاجرين من اليمن فنزلا بهم ، قتلوهما وأخذوا أموالهما ، فلمّا جاء الإسلام وبعث النبىّ عليه السلام خالداً ورأوه ، حملوا السلاح ، فقال لهم : ضعوا السلاح ، فإنّ الناس قد أسلموا .
فقال رجل منهم : ويلكم ، إنّه خالد ، واللَّه ما بعد وضع السلاح إلّاالإسار ، وما بعده إلّاالقتل ، ولا أضع سلاحي .
هامش
( 1 ) الإرشاد : ج 1 ص 54 فصل 11 من الباب 2 .
ورواه الواقدي في المغازي : 2 : 882 .