قوله تعالى :
فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
وإذ كانت أيّام منى أربعة أيّام : يوم النحر وثلاثة أيّام التشريق . لكن لا يجب المكوث بها جميعا . فيجوز النفر في اليوم الثاني من أيّام التشريق ، بعد الزوال وقبل أن تغرب الشمس .
والأفضل أن يقيم إلى النفر الأخير في اليوم الثالث من أيّام التشريق « 1 » .
وفي قوله :
فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ،
في الموضعين ، إيحاء بعدم المنع وعدم التأثّم ، لا في التعجّل ولا في التأخّر ، حيث كان اختلاف الحجيج في النفر في اليوم الثاني أو اليوم الثالث ، كان أوهم أنّ الفرض هو أحدهما فحسب ؛ إمّا النفر أوّلا ، فلا يجوز التأخّر . أو النفر أخيرا ، فلا يجوز التعجّل . فجاءت الآية لترخّص كلا الأمرين ، من غير تحرّج في أيّ منهما .
قال الزمخشري : في الآية دلالة على أنّ التعجّل والتأخّر مخيّر فيهما ، كأنّه قيل : فتعجّلوا أو تأخّروا . فإن قلت : أليس التأخّر بأفضل ؟ قلت : بلى ، ويجوز أن يقع التخيير بين الفاضل والأفضل ، كما خيّر المسافر بين الصوم والإفطار « 2 » ، وإن كان الصوم أفضل !
وقيل : كان أهل الجاهليّة فريقين ، منهم من جعل المتعجّل آثما ، ومنهم من جعل المتأخّر آثما ، فورد القرآن بنفي المأثم عنهما جميعا « 3 » .
قوله :
لِمَنِ اتَّقى
أي هذا التخيير في النفر ، إنّما يكون لمن اتّقى محرّمات الإحرام . وهذا هو ظاهر التعبير في إطلاق الخطاب ، ونظرا لرعاية المناسبة مع سياق الكلام .
وهكذا ذكر سيّدنا العلّامة الطباطبائي : أنّ قوله تعالى :
لِمَنِ اتَّقى
نظير قوله :
ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ .
والمراد : أنّ هذا الحكم لمن اتّقى ، وأمّا من لم يتّق فليس له .
قال : ومن اللّازم أن تكون هذه التقوى تقوى ممّا نهى اللّه عنه في الحجّ ، واختصّه به ، فيؤول المعنى : أنّ الحكم إنّما هو لمن اتّقى تروك الإحرام أو بعضها « 4 » ، أمّا من لم يتّق فيجب عليه أن يقيم بمنى إلى تمام أيّامها « 5 » .
هامش
( 1 ) مجمع البيان 2 : 53 .
( 2 ) بناء على فهم الترخيص من آية القصر في السفر .
( 3 ) الكشّاف 1 : 250 .
( 4 ) إشارة إلى ما ورد في بعض الروايات - حسبما يأتي - من اختصاص الاتّقاء باتّقاء الصيد .
( 5 ) الميزان 2 : 83 .