تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
منه فيها من الفساد وسفك الدماء ، فقد كان طوى عنهم الخبر عمّا يكون من كثير منهم ما يكون من طاعتهم ربّهم وإصلاحهم في أرضه وحقن الدماء ورفعه منزلتهم وكرامتهم عليه ، فلم يخبرهم بذلك ، فقالت الملائكة :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
على ظنّ منها على تأويل هذين الخبرين اللّذين ذكرت ، وظاهرهما أنّ جميع ذرّيّة الخليفة الّذي يجعله في الأرض يفسدون فيها ويسفكون فيها الدماء . فقال اللّه لهم إذ علّم آدم الأسماء كلّها :
أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أنّكم تعلمون أنّ جميع بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء على ما ظننتم في أنفسكم ، إنكارا منه - جلّ ثناؤه - لقيلهم ما قالوا من ذلك على الجميع والعموم ، وهو من صفة خاصّ ذرّيّة الخليفة منهم . وهذا الّذي ذكرناه هو صفة منّا لتأويل الخبر لا القول الّذي نختاره في تأويل الآية « 1 » . قال أبو جعفر : وممّا يدلّ على ما ذكرنا من توجيه خبر الملائكة عن إفساد ذرّيّة الخليفة وسفكها الدماء على العموم : [ 2 / 975 ] ما حدّثنا به ابن أحمد بن إسحاق الأهوازيّ بالإسناد إلى عبد الرحمن بن سابط في قوله :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
قال : يعنون الناس . وقال آخرون في ذلك . [ 2 / 976 ] بما حدّثنا به بشر بن معاذ بإسناده عن قتادة قال : قوله تعالى :
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
فاستشار الملائكة « 2 » في خلق آدم ، فقالوا :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
وقد علمت الملائكة من علم اللّه أنّه لا شيء أكره إلى اللّه من سفك الدماء والفساد في الأرض . قال : وذكر لنا أنّ ابن عبّاس كان يقول : إنّ اللّه لمّا أخذ في خلق آدم ، قالت الملائكة : ما اللّه خالق خلقا أكرم عليه منّا ولا أعلم منّا . فابتلوا بخلق آدم ، وكلّ خلق مبتلى ، كما ابتليت السماوات والأرض بالطاعة ، فقال اللّه :
ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
« 3 » .
هامش
( 1 ) الطبري 1 : 294 - 295 . ( 2 ) وفي الطبعة الجديدة : « فاستخار الملائكة » وهو أيضا بمعنى الاستشارة ، أي استشارهم ليرى الخير والصلاح في ذلك ! ( 3 ) فصّلت 41 : 11 .