تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
الملائكة الّذين كانوا معه ؛ فقال اللّه للملائكة الّذين معه :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
فقالت الملائكة مجيبين له :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
كما أفسدت الجنّ وسفكت الدماء ؟ وإنّما بعثنا عليهم لذلك . فقال :
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
يقول : إنّي قد اطّلعت من قلب إبليس على ما لم تطّلعوا عليه من كبره واغتراره ، قال : ثمّ أمر بتربة آدم فرفعت ، فخلق اللّه آدم من طين لازب - واللازب : اللزج الصلب من حمأ مسنون - منتن . قال : وإنّما كان حمأ مسنونا بعد التراب . قال : فخلق منه آدم بيده . قال فمكث أربعين ليلة جسدا ملقى ، فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل - أي فيصوّت - قال : فهو قول اللّه :
مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ
يقول : كالشئ المنفوخ الّذي ليس بمصمت ، قال : ثمّ [ جعل ] يدخل في فيه ويخرج من دبره ، ويدخل من دبره ويخرج من فيه ، ثمّ يقول : لست شيئا ! للصلصلة ، ولشيء ما خلقت ! لئن سلّطت عليك لأهلكنّك ، ولئن سلّطت عليّ لأعصينّك . قال : فلمّا نفخ اللّه فيه من روحه ، أتت النفخة من قبل رأسه ، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلّا صار لحما ودما . فلمّا انتهت النفخة إلى سرّته نظر إلى جسده ، فأعجبه ما رأى من حسنه ، فذهب لينهض فلم يقدر ، فهو قول اللّه :
وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
« 1 » قال : ضجرا لا صبر له على سرّاء ولا ضرّاء . قال : فلمّا تمّت النفخة في جسده ، عطس فقال : الحمد للّه ربّ العالمين ، بإلهام من اللّه تعالى . فقال اللّه له : يرحمك اللّه يا آدم . قال : ثمّ قال اللّه للملائكة الّذين كانوا مع إبليس خاصّة دون الملائكة الّذين في السماوات : اسجدوا لآدم ! فسجدوا كلّهم أجمعون إلّا إبليس أبى واستكبر لما كان حدّث به نفسه من كبره واغتراره ، فقال : لا أسجد له وأنا خير منه وأكبر سنّا وأقوى خلقا ، خلقتني من نار وخلقته من طين . يقول : إنّ النار أقوى من الطين . قال : فلمّا أبى إبليس أن يسجد أبلسه اللّه وآيسه من الخير كلّه وجعله شيطانا رجيما ، عقوبة لمعصيته . ثمّ علّم آدم الأسماء كلّها ، وهي هذه الأسماء الّتي يتعارف بها الناس : إنسان ودابّة وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار ، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها . ثمّ عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة ، يعني الملائكة الّذين كانوا مع إبليس الّذين خلقوا من نار السموم ، وقال لهم :
أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ
يقول : أخبروني بأسماء هؤلاء
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
إن كنتم تعلمون أنّي لم أجعل في الأرض خليفة . قال : فلمّا علمت الملائكة مؤاخذة اللّه عليهم فيما تكلّموا به من علم الغيب الّذي لا يعلمه غيره الّذي ليس لهم به علم ، قالوا : سبحانك ! تنزيها للّه من أن
هامش
( 1 ) الإسراء 17 : 11 .
التفسير الأثرى الجامع — صفحة 359 | الشيخ محمد هادي معرفة