وقد سبق حديث الرمّاني : أنّ السماوات غير الأفلاك المفروضة عند القدماء « 1 » .
2 -
فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ
قال تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ
« 2 » .
أو هل كانت الطرائق هنا هي مدارات الأفلاك البطلميوسيّة ؟
قلت : كلّا ، إنّها الطرائق بمعنى مجاري الأمور في التدبير والتقدير والّتي هي محلّها السماوات العلى .
الطرائق : جمع الطريقة بمعنى المذهب والمسلك الفكري والعقائدي وليس بمعنى سبيل الاستطراق على الأقدام . ولم تستعمل في القرآن إلّا بهذا المعنى :
يقول تعالى - حكاية عن لسان الجنّ - :
وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً
« 3 » .
أي مذاهب شتّى .
وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى
« 4 » . أي بمذهبكم القويم الأفضل .
إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً
« 5 » . وذاك يوم الحشر يتخافت المجرمون : كم لبثوا ؟
فيقول بعضهم : عشرا . ويقول أعقلهم وأفضلهم بصيرة :
إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً .
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً
« 6 » . أي الطريقة المثلى والمذهب الحقّ .
فالمقصود بالطرائق - في الآية الكريمة - هي طرائق التدبير والتقدير ، المتّخذة في السماوات حيث مستقرّ الملائك المدبّرات أمرا والمقسّمات « 7 » .
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ
« 8 »
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
« 9 » . أي تقدير أرزاقكم وكلّما قدّر لكم من مجاري الأمور .
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
« 10 » .
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
« 11 » .
هامش
( 1 ) راجع : التبيان 1 : 125 والرمّاني هو أبو الحسن عليّ بن عيسى المعتزلي النحوي المشهور . توفّي : 382 .
( 2 ) المؤمنون 23 : 17 .
( 3 ) الجنّ 72 : 11 .
( 4 ) طه 20 : 63 .
( 5 ) طه 20 : 104 .
( 6 ) الجنّ 72 : 16 .
( 7 ) النازعات 79 : 5 . والذاريات 51 : 4 .
( 8 ) السجدة 32 : 5 .
( 9 ) الذاريات 51 : 22 .
( 10 ) يونس 10 : 3 .
( 11 ) الحجر 15 : 21 .