تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
وقوله تعالى :
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
« 1 » شبّه الأولاد بأفراخ الطير تستذلّ لدى والديها تستطعمهما وتسترحمهما ، ودليلا على ذلك تبسط أجنحتها على الأرض خفضا وذلّا ، وهي من المبالغة في التشبيه وتصوير حالة الذلّ في موضع ينبغي الذلّ فيه بمكان . وقوله تعالى :
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
« 2 » لو اعتبرنا التشبيه في جملة « فاصدع » فقد شبّهت شوكة المشركين وهيبتهم بصرح زجاجي ، وشبّهت الدعوة بمصادمة هذا الصرح ، وشبّه التأثير البليغ بالصدع ، وهو الأثر البيّن في الزجاجة المصدومة . وهذا من تشبيه عدّة أشياء بأشياء مع إفاضة الحركة والفعل والانفعال . فقد شبّه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في إبلاغ دعوته للمشركين بمن يرمي بقذائفه إلى قلاع مبنيّة من زجاجات سريعة التكسّر والانهيار . * * * قال : وإن كان ذمّا كان مسّه أوجع وميسه ألذع ، ووقعه أشدّ وحدّه أحدّ ، كما جاء في قوله تعالى - في تصوير حالة من أوتي الهداية فرفضها لغيّه وانسلخ منها - :
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
« 3 » إنّه من التمثيل الرائع وفي نفس الوقت لاذع ، إنّه يمثّل مشهد إنسان يؤتيه اللّه آياته ويخلع عليه من فضله ويعطيه الفرصة للاكتمال والارتفاع . . . ولكن ، ها هو ذا ينسلخ من هذا كلّه انسلاخا ، كمن ينسلخ عن أديم جلده بجهد ومشقّة ، ويتجرّد من الغطاء الواقي والدرع الحامي ، ويهبط من الأفق العالي إلى سافل الأرض ، فيصبح غرضا للشيطان ، لا وقاية ولا حمى ، وإذا هو ألعوبة أو كرة قدم تتقاذفه الأقدار ، لا إرادة له ولا اختيار ، فمثله كمثل كلب هراش لا صاحب له ، ويلهث « 4 » من غير هدف . ويتضرّع من غير أن يجد من يشفق عليه . وهكذا جاء تصويره لمن حمّل ثقل الحقّ ولا يهتدي به بالحمار يحمل أسفارا ، هي أفضل ودائع الإنسان ، يئنّ بثقلها ولا يعي شرف محتواها :
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
« 5 » .
هامش
( 1 ) الإسراء 17 : 24 . ( 2 ) الحجر 15 : 94 . ( 3 ) الأعراف 7 : 176 . ( 4 ) اللهث : دلع اللسان عطشا أو تعبا . ( 5 ) الجمعة 62 : 5 .
التفسير الأثرى الجامع — صفحة 268 | الشيخ محمد هادي معرفة