تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها .
فاللّه ربّ الصغير والكبير وخالق البعوضة والفيل ، والمعجزة في خلق البعوضة هي ذاتها المعجزة في الفيل . إنّها معجزة الحياة ، معجزة السرّ المغلق الّذي لا يعلمه إلّا اللّه . على أنّ العبرة في المثل ليست في الحجم والشكل ، إنّما الأمثال أدوات للتنوير والتبصير ، وليس في ضرب المثل ما يعاب أو يستدعي الاستحياء ، واللّه - جلّت حكمته - يريد بها اختبار القلوب وامتحان النفوس :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ .
ذلك أنّ إيمانهم باللّه يجعلهم يتلقّون كلّ ما يصدر عنه بما يليق بجلاله ؛ وبما يعرفون من حكمته ، وقد وهبهم الإيمان نورا في قلوبهم ، وحسّاسيّة في أرواحهم ، وتفتّحا في مداركهم ، واتّصالا بالحكمة الإلهيّة في كلّ أمر وفي كلّ قول يجيئهم من عند اللّه .
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا ؟ !
وهذا سؤال المحجوب عن نور اللّه وحكمته ، المقطوع الصّلة بسنّة اللّه وتدبيره . ثمّ هو سؤال من لا يرجو للّه وقارا ، ولا يتأدّب معه الأدب اللائق بالعبد أمام تصرّفات الربّ . يقولونها في جهل وقصور في صيغة الاعتراض والاستنكار ، أو في صورة التشكيك وإيجاد البلبلة في نفوس الضعفاء ! هنا يجيئهم الجواب في صورة تهديد وتحذير بما وراء المثل من تقدير وتدبير :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ .
واللّه - سبحانه - يطلق الابتلاءات والامتحانات تمضي في طريقها ، ويتلقّاها عباده ، كلّ وفق طبيعته واستعداده ، وكلّ حسب طريقه ومنهجه الّذي اتّخذه لنفسه . والابتلاء واحد . ولكن آثاره في النفوس تختلف بحسب اختلاف المنهج والطريق . فالشدّة تزيد المؤمن الواثق باللّه التجاء إليه وتقرّبا لديه ، وأمّا الفاسق أو المنافق فتزلزله وتزيده من اللّه بعدا وتخرجه من الصفّ إخراجا . * * * وتبيينا لموضع الفاسق الّذي يأخذ به الضلال حيث مهوى الخسران والدمار ، جاء الوصف التالي :