تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
قائما بمجموع اللفظ والمحتوى : في إناقة لفظ وفخامة معنى ، في جمال وبهاء . وفي التاريخ عبر تؤثر عن أناس حاولوا معارضة القرآن ، لكنّهم أتوا بكلام لا يشبه القرآن ولا يشبه كلام أنفسهم ، بل نزلوا إلى ضرب من السخف والتفاهة وفضحوا أنفسهم من غير دراية . فمن حدّثته نفسه أن يعيد هذه التجربة فلينظر في تلك العبر ، ومن لم يرعو فليصنع ما شاء . ومن جرّب المجرّب حلّت به الندامة . ومن كانت عنده شبهة ، زاعما أنّ في الناس من يستطيع الإتيان بمثله ، فليراجع أدباء عصره وليسألهم : هل يقدر أحد منهم على ذلك ؟ فإن قالوا : نعم ، لو نشاء لقلنا مثل هذا ! فليقل لهم : هاتوا برهانكم وجرّبوا أنفسكم ! وإن قالوا : لا طاقة لنا به ، فليقل لهم : أيّ شيء أكبر شهادة على الإعجاز من الشهادة على العجز . وإنّ بضعة النفر الّذين انغضّوا إليه رؤوسهم ، باءوا بالخزي والهوان وسحب التاريخ على آثارهم ذيل النسيان « 1 » .

بما ذا وقع التحدّي ؟

إنّما وقع التحدّي بفضيلة الكلام ، ولها مقاييس بها يعرف ارتفاع شأن الكلام وانحطاطه ، ممّا فصّله علماء البيان . وبها تتفاوت درجات الكلام ويقع بها التفاضل بين أنحائه من رفيع أو وضيع . وقد أشار السكّاكي إلى طرف من تلكم المقاييس الّتي هي المعيار لارتفاع شأن الكلام وضعته ، قال - بعد أن ذكر أنّ مقامات الكلام متفاوتة ، ولكلّ كلمة مع صاحبتها مقام ، ولكلّ حدّ ينتهي إليه الكلام مقام - : وارتفاع شأن الكلام في الحسن والقبول ، إنّما هو بمصادفته لما يليق به من هذه المقامات . قال : فحسن الكلام تحلّيه بشيء من هذه المناسبات والاعتبارات ، بحسب المقتضيات ، الّتي يفصّلها فنّ المعاني والبيان . قال : والبلاغة تتزايد حتّى تبلغ قمّتها وهو حدّ الإعجاز ، الّذي لا يستطيع إنسان أن يبلغه ، ما دام قيد الذهول والنسيان . إذن فالتفاضل بين كلامين إنّما هو بهذه الاعتبارات وهي لا تحصى ، ولا يمكن ملاحظتها أجمع لمن لم يحط علما بجوامع الأمور « 2 » .
هامش
( 1 ) الجزء الرابع من التمهيد : 32 و 33 . ( 2 ) التمهيد 4 : 34 .
التفسير الأثرى الجامع — صفحة 196 | الشيخ محمد هادي معرفة