الماء الأجاج
« لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً » .
هل في سنن الكون أن يتحوّل ماء المطر - الذي هو أنقى المياه وأعذبها - إلى ماء أجاج لا يستساغ شربه ولا يطيب طعمه ؟
الآية قبلها تنصّ على أن الماء الذي يشربه الناس والدوابّ - وحتّى الذي يسقى به الزرع والنبات - هو الماء النازل من السماء :
« أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ . أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ
« 1 »
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ . لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ »
« 2 » .
إنّك تعرف أنّ الأرض ربعها يابس وثلاثة أرباعها ماء ، هذا الماء كلّه مالحٌ أجاج . لكن اللَّه تعالى بفضله ورحمته يقطر للإنسان والحيوان والنبات من هذا الماء الأجاج ماءً عذباً فراتاً سائغاً للشاربين . أمّا جهاز التقطير فليس كمثله جهاز . البحار كلّها في ذلك دست « 3 » لا يسخن من تحت ، كما يفعل الإنسان في تقطيراته التافهة . . . ولكن يسخن من فوق بنار تفوق حجم الأرض بآلاف المرّات . فإذا ما تبخّر الماء بحرارة الشمس تكثف في مكثف ناهيك من مكثف الجوّ المحيط كلّه والجبال . والرياح مستمرّة دائبة في حمل هذا البخار المتكاثف ونقلها إلى حيث يشاء اللَّه . فإذا أمطرت السماء وسالت الأودية وفاضت الأنهار وحملت الخصب والنماء إلى الإقطار تبخّر بعض الماء وامتصّت الأرض منه بعضاً وصار باقيه إلى البحر الذي كان منه مصعده . لكن ليس شيء من الماء بضائع ! فما تتمصّه الأرض تتفجّر به بعدُ عيوناً ، ويتبخّر من الماء العذب أو يصير إلى البحر ، فهو في حرز حريز من الضياع ، إذ مآله أن يصير مرّة أخرى ماء يحيى به الناس والأنعام ، وتحيى به الأرض بعد موتها . فالماء بين البحر والجوّ واليابسة في دورة مقدّرة متّصلة ، لا انقطاع فيها ولا تنتهي أبداً ، إلا أن يشاء
هامش
( 1 ) . المزن : السحاب المشبّع بالماء .
( 2 ) . الواقعة : 68 - 70 .
( 3 ) . كلمة عامّية بمعنى المرجل : القدر ، وهو كلّ ما يغلى فيه الماء .