ذكر التنوخي « 1 » وغيره : أنّ من الالتفات نقل الخطاب من الواحد إلى الاثنين أو الجمع والعكس ، كقوله تعالى :
« قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ »
« 2 » . ولا شكّ أنّ الخطاب كان مع موسى عليه السلام ولكن هارون كان عضده ووزيره فكان المتّهم في الاستحواذ على سلطة البلاد - في نظرهم - هما معاً .
وأمثال هذه الدقائق - في كتاب اللَّه العزيز الحميد - كثير ، وإنّما يبلغها العرّافون من أهل النظر والتحقيق ، وقليلٌ مّاهم .
إيجاز وإيفاء أم براعة في بلاغة البيان ؟
الإيجاز : هو حذف فضول الألفاظ مع الإيفاء بكمال المقصود ، وهو نوع من الكلام شريف ، لا يتعلّق به إلّافرسان البلاغة ، وسُبّاق ميادين الفصاحة ، ممّن سبق إلى غايتها وما صلّى ، وضرب في أعلى درجاتها بالقِدح المعلّى ، وذلك لعلوّ شأنه ورفيع مقامه ، بل ولتعذّر إمكانه على غير أهله .
والبليغ كلّ البليغ من أوجز في كلامه فأوفى ، واختصر في مقاله فأفاد ، الأمر الذي يصعب على غير النبلاء من أرباب الفصاحة والبيان . وقد كان للقرآن منه الحظّ الأوفر والقسط الأكبر بما أثار الإعجاب وأطار بعقول ذوي الألباب .
قال ابن الأثير : والنظر في هذا الباب إلى المعاني بالذات لا إلى الألفاظ ، ولستُ أعني بذلك أن تُهمَل الألفاظ ، بحيث تُعرّى عن أوصافها الحسنة ، بل أعني أنّ مدار النظر في هذا النوع إنّما يختص بالمعاني ، فربّ لفظ قليل يدلّ على معنىً كثير ، وربّ لفظ كثير يدلّ على
هامش
( 1 ) . هو القاضي أبو القاسم علي بن محمّد الأنطاكي ( 278 - 342 ) كان من أعيان فضلاء عصره عظيماً واسع الأدب حسنالفصاحة ، وكانوا يعدّونه ريحانة الندماء وتاريخ الظرفاء .
( 2 ) . يونس : 78 .