وبجري هذا المجرى الإخبار عن المستقبل باسم المفعول ، كما في قوله تعالى :
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ »
« 1 » .
لأنّ اسم المفعول يتضمّن معنى الفعل الماضي الدالّ على التحقّق والوقوع لا محالة ، فإنّه إنّما آثر اسم المفعول الذي هو « مَجمُوعٌ » على الفعل المستقبل الذي هو « يُجمع » لما فيه من الدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم ، وأنّه الموصوف بهذه الصفة . قال ابن الأثير : وان شئت فوازن بينه وبين قوله تعالى :
« يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ »
« 2 » فإنّك تعثر على صحّة ما قلت « 3 » .
* * * ونوع آخر من الالتفات ، هو أشبه بباب « الاستطراد » بأن يشرع المتكلّم في نوع من الكلام ويستمرّ عليه ، ثم يخرج إلى غيره ، وأخيراً يعود إلى ما كان عليه . فلنسمّيه « مداورة الكلام » ، وهو من لطيف التفنّن في التعبير ، كمن يطارد صيداً فيعنّ له آخر فيطرده ، ثم يرجع إلى الأسبق وهكذا . وقد ذكره بعضهم باسم « الاعتراض » و « الاستدراك » . وعلى أيّة حال فإنه من تداخل الفنون الجميلة ومجمع أنحاء الجمال .
ومثّلوا له بقوله تعالى :
« فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ »
« 4 » .
فقوله : « وَلَن تَفعَلُوا » استدراكٌ جميل ، وتيئيسٌ لطيف ، وتبكيتٌ قاطع ، فللَّه درّه من التفات بديع .
قال قدامة بن جعفر الكاتب « 5 » : أراد تعالى أن يضمّن آية التحدّي ضرباً آخر من الإعجاز بإخباره عن عجز مطبق عن إمكان معارضته مع الأبد ، ليكون جريان هذا الخبر الصادق على لسان نبيّه ، حتّى إذا وقع كان عَلَماً على صدقه ، فردّ المكذّبين ، وثبّت
هامش
( 1 ) . هود : 103 .
( 2 ) . التغابن : 9 .
( 3 ) . المثل السائر : ج 2 ص 191 .
( 4 ) . البقرة : 24 .
( 5 ) . توفي سنة 337 كان يضرب به المثل في البلاغة .