المؤمنين ، فقال : « ولن تفعلوا » قبل أن يتمّ الكلام الأول . وكان يمكنه تأخير هذه الجملة . . .
لكن لهذا التقديم تأثير بليغ في النظم ، يجعل له في القلوب من الجلالة والتفخيم والرونق ما لا يعبّر عنه . ولا يعرف لذلك سبب ظاهر إلّاوقوع تجنيس الازدواج بقوله :
« فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا »
نظير قوله :
« فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ »
« 1 » . لكنّه في المعنى كان لهذا التقديم سبب أقوى ، هي زيادة عَلَم من أعلام النبوّة ، كانت مراعاته أولى على الموعظة بقوله :
« فَاتَّقُوا النَّارَ »
« 2 » .
قال ابن أبي الإصبع : وجاء في الكتاب العزيز من الالتفات قسم غريب جدّاً - لم أظفر في سائر الكلام له بمثال ، هداني اللَّه إلى العثور عليه - وهو : أن يقدّم المتكلّم في كلامه حديثاً عن أمرين يتعاقبان ، ثم يخبر عن الأول منهما بشيء ، وينصرف عنه إلى الإخبار عن الثاني ، ثم يعود إلى الإخبار عن الأوّل ، كقوله تعالى :
« إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ . وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ »
. انصرف عن الإخبار عن الإنسان إلى الإخبار عن ربّه تعالى ، ثم انصرف عنه وأَخبر عن الإنسان ثانياً
« وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ »
« 3 » قال : وهذا يحسن أن يسمّى « التفات الضمائر » « 4 » .
قلت : هذا من مداورة الكلام وردّ العجز على الصدر أيضاً ، الأمر الذي يحصل به بين أطراف الكلام ملاءمة وتلاحم وائتلاف ، وهو من لطيف الكلام .
والآية إنّما تصلح مثالًا لذلك ، بناءً على عود الضمير في « إنّه على ذلك لشهيد » على « ربّه » وهو أحد القولين « 5 » .
هامش
( 1 ) . البقرة : 194 .
( 2 ) . بديع القرآن : ص 43 .
( 3 ) . العاديات : 6 - 8 .
( 4 ) . بديع القرآن : ص 45 . مع تصرف وصحّحناه على معترك الأقران : ج 1 ص 383 .
( 5 ) . راجع الكشاف : ج 4 ص 788 .