ذكره كان للتمثيل لا للتخصيص .
وهذا نظير ما قالوه بشأن آية الإسراء « 1 » من أنّ الوجه في العدول من الغيبة إلى خطاب النفس كان لتخصيص القدرة ، وأنّه غير مستطاع لغيره تعالى ، وهكذا هنا ، إرادة لتخصيص هذا الحكم بالنبي صلى الله عليه وآله دون غيره .
وممّا جاء من الالتفات مراراً على قصر متنه وتقارب طرفيه قوله تعالى :
« سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ »
.
فقال أولًا : « سبحان الّذي أسرى » بلفظ الواحد ، ثمّ قال : « الّذي باركنا » بلفظ الجمع ، ثمّ قال : « إنّه هو السميع البصير » وهو خطاب غائب . ولو جاء الكلام على مساق الأول لكان :
سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنّه هو السميع البصير . وهذا جميعه يكون معطوفاً على « أسرى » ، فلمّا خولف بين المعطوف والمعطوف عليه في الانتقال من صيغة إلى صيغة كان ذلك اتّساعاً وتفنّناً في أساليب الكلام ، ولمقصد آخر معنوي هو أعلى وأبلغ .
وقد أسهب ابن الأثير الكلام هنا وأبدع وأجاد . « 2 » وممّا ينخرط في هذا السلك ، الرجوع من خطاب الغيبة إلى خطاب النفس ، كقوله تعالى :
« ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ . فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ »
« 3 » .
والفائدة في هذا العدول : أنّ طائفة من الناس غير المتشرّعين كانوا يعتقدون أنّ النجوم ليست في سماء الدنيا ، وأنها ليست حفظاً ورجوماً . فلمّا صار الكلام إلى هنا عدل إلى
هامش
( 1 ) . قوله :« سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ- إلى قوله -لِنُرِيَهُ . . . »انتقالًا من الغيبة إلى التكلّم عن النفس .
( 2 ) . المثل السائر : ج 2 ص 176 .
( 3 ) . فصّلت : 11 و 12 .