فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ »
« 1 » .
فقد شبّه صَلابة الإيمان بزرع نمىفقوى ، فخرج فرخه من قوته وخصوبته ، فاشتدّ واستغلظ الزرع ، وضخمت ساقه وامتلأت ، فاستوى وازدهر . الأمر الذي يبعث على الابتهاج والإعجاب من جهة ، وإغاظة الكفّار من جهة أخرى .
وقوله تعالى :
« وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا »
« 2 »
.
قال الزمخشري : يجوز أن يكون تمثيلًا ، لا ستظهاره به ووثوقه بحمايته ، بامتساك المتدلّي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه .
فقد شبّهت عرى الدين بوشائج وثيقة تربط الامّة بعضها ببعض ، فكأنّ الشريعة المقدّسة حبل ممدود على طرف مهواة سحيقة ، والامّة المتماسكة مستوثقون بعراها استيثاقاً يأمن جانبهم من أخطار السقوط وينجيهم من مهاوي الضلال .
قال الجرجاني : وإن كان ذمّاً كان مسّه أوجع وميسه ألذع ، ووقعه أشدّ وحدّه أحدّ كما جاء في قوله تعالى - في تصوير حالة من أوتي الهداية فرفضها لغيّه وانسلخ منها - :
« فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ »
« 3 » إنّه من التمثيل الرائع وفي نفس الوقت لاذع ، إنّه يمثّل مشهد إنسان يؤتيه اللَّه آياته ويخلع عليه من فضله ويعطيه الفرصة للاكتمال والارتفاع . . . ولكن ، ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخاً ، كمن ينسلخ عن أديم جلده بجهد ومشقّة ، ويتجرّد من الغطاء الواقي والدرع الحامي ، ويهبط من الأفق العالي إلى سافل الأَرض ، فيصبح غرضاً للشيطان ، لا وقاية ولا حمى ، وإذا هو ألعوبة أو كرة قدم تتقاذفة الأقدار ، لا إرادة له ولا اختيار ، فمثله كمثل كلب هراش لا صاحب له ، ويلهث « 4 » من غير هدف ، ويتضرّع من غير أن يجد من يشفق عليه .
وهكذا جاء تصويره لمن حمّل ثقل الحقّ ولا يهتدي به بالحمار يحمل أسفاراً ، هي
هامش
( 1 ) . الفتح : 29 .
( 2 ) . آل عمران : 103 .
( 3 ) . الأعراف : 176 .
( 4 ) . اللهث : دلع اللسان عطشت أو تعباً .