ذلك ، لكنّ منه ما يظهر ، ومنه ما يستخرج بالتأمّل للبيب « 1 » .
والفواصل في القرآن - على ما حقّقه الأستاذ أبو محمَّد عبد العظيم بن عبد الواحد المعروف بابن أبي الإصبع ( توفّي سنة 654 ه ) - على أربعة وجوه :
1 - التمكين : هو أن يُمهَّد قبل نهاية الآية تمهيداً تأتي الفاصلة معها متمكّنة في موضعها ، مستقرّة في قرارها ، مطمئنة في محلّها ، غير نافرة ولا قلقة ، متعلّقاً معناها بمعنى الكلام كلّه تعلّقاً تامّاً ، بحيث لو طرحت لاختلّ المعنى واضطرب المقصود من الكلام ، وتشوّش على الفهم ، وبحيث لو سكت الناطق عنها لكمّله السامع بطبعه السليم « 2 » .
قال الإمام بدر الدين الزركشي ، وهذا الباب يُطلعك على سرٍّ عظيم من أسرار القرآن الكريم ، فاشدُد يديك به « 3 » .
ومن أمثلته قوله تعالى :
« وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً »
« 4 » .
ولا يخفى وجه المناسبة التامّة .
وقوله تعالى :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ »
« 5 » .
الشيء إذا بلغ في اللطافة غايتها قصرت الأبصار عن دركه . فناسب قولُهُ : « وهو اللطيف » قولَه : « لا تدركُه الأبصار » . والعالم بالشيء إذا بلغ كنهه وأحاط به علماً كان خبيراً به ، فناسب قولُه : « الخبير » قولَه : « وهو يدرك الأبصار » ، جمعاً محلّى باللام ، وهو يفيد العموم الدالّ على إحاطته تعالى .
هامش
( 1 ) . البرهان : ج 1 ص 78 .
( 2 ) . حكي أنّ أعرابياً سمع قارئاً يقرأ : « فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البيّنات فاعلموا أن الله غفور رحيم » - ولم يكن قرأ القرآن - فقال : إنّ هذا ليس بكلام اللَّه ، لأنّ الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل ، لأنّه إغراء عليه ( معترك الأقران : ج 1 ص 40 ) وصحيح الآية« فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ »البقرة : 209 .
( 3 ) . البرهان : ج 1 ص 79 .
( 4 ) . الأحزاب : 25 .
( 5 ) . الأنعام : 103 .