هو فيه بقوله :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ »
الدالّ على اختصاصه بالحمد ، وأنّه حقيق به - وجد من نفسه لا محالة محرّكاً للإقبال عليه . فإذا انتقل على نحو الافتتاح إلى قوله :
« رَبِّ الْعالَمِينَ »
- الدالّ على أنّه مالك للعالمين ، لا يخرج منهم شيء عن ملكوته وربوبيته - قوى ذلك المحرّك . ثم انتقل إلى قوله
« الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ »
الدالّ على أنّه منعم بأنواع النعم جلائلها ودقائقها ، تضاعفت قوّة ذلك المحرّك . ثم إذا انتقل إلى خاتمة هذه الصفات العظام ، وهي قوله :
« مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ »
الدالّ على أنّه مالك للأمر كلّه يوم الجزاء ، تناهت قوّته ، وأوجب الإقبال عليه ، وخطابه بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمّات :
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
.
وهذا كمال الانقطاع يبديه العبد لدى مولاه ، يمهّد بها أسباب الشفاعة ، فيردفها مع عرض حاجته ، بُغية قضائها ونجاحها ، والتوفيق يرافقه لا محالة .
وسورة البقرة - وهي أول سورة نزلت بالمدينة ، واكتملت لعدة سنوات ، ونزلت خلالها سور وآيات - تراها على طولها ، منتظمة على أسلوب رتيب : مقدّمة لا بدّ منها ، ثم دعوة ، وأخيراً تشريع « 1 » .
أمّا المقدّمة ففي بيان طوائف الناس ومواقفهم تجاه الدعوة ، إمّا متعهد يخضع للحقّ الصريح ، أو معاند يجحد بآيات اللَّه ، أو منافق يراوغ مراوغة الكلاب . أمّا الشكّ فلا مجال له بعد وضوح الحقّ ووفور دلائله . وقد نفاه القرآن الكريم
« ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ »
.
وقد أعلن الدعوة بتوجيه نداء عامّ إلى كافة الناس
« يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ »
« 2 » ودعمها بدلائل وبراهين نيّرة ، مستشهداً بسابق حياة الإنسان منذ بدء الخلقة ، وتصرّفاته الغاشمة في الحياة ، ولا سيّما حياة إسرائيل السوداء المليئة بالمخازي والآثام .
وهي الامّة الوحيدة التي تعرفها العرب ولهم معها نسب قريب .
هامش
( 1 ) . المقدّمة في ( 20 ) آية . والدعوة في قريب من ( 124 ) آية . والتشريع ( 142 ) .
( 2 ) . البقرة : 21 .