ومناسبة أشدّ : أنّ قوله : « وهو اللطيف الخبير » برهانٌ على عدم إمكان إدراكه بالأبصار وأنّه هو الذي يحيط بالأبصار ، فكان كدعوى مقرونة بشاهد دليل .
وقوله تعالى :
« إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ . وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ . وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ »
« 1 » .
خَتمَ الآية الأولى بقوله : « للمؤمنين » . والثانية « لقوم يوقنون » . والثالثة « لقوم يعقلون » لأنّ العوالم كلّها هي دليل الصنع الباعث على الإيمان . أمّا التدبّر في تفاصيل الخلق الدالّة على التدبير فهو دليل النظم الموجب للإيقان . وأخيراً فإنّ الذي يدعو للإيمان واليقين بسبب التدبّر في آياته تعالى والتفكّر في خلقه هو شرف العقل ، الموجود المفضَّل في كيان الإنسان .
وقوله تعالى :
« وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ »
« 2 » .
فسياق الآية بهذا النظم البديع ، وتسلسل الخلقة بهذا النمط الرتيب ، ليقضي بختمها بهكذا تحميد وتحسين عجيب . فقد روي أنّ بعض الصحابة - يقال : إنّه معاذ بن جبل - حين نزلت الآية بادر إلى تحسينها والإعجاب بها ، فنطق بهذه الخاتمة قبل نزولها . فضحك رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وقال لمعاذ : بها خُتمت « 3 » .
2 - التصدير : هو أن تكون الفاصلة مذكورة بمادّتها في صدر الآية ، ويسمّى أيضاً : ردّ العجز على الصدر . وهو من حسن البديع ، إذ يرتبط صدر الكلام مع ذيله بوشائج من التلاحم والوئام . قال ابن رشيق : وهذا يُكسب الكلام ابّهة ، ويكسوه رونقاً وديباجة ،
هامش
( 1 ) . الجاثية : 3 - 5 .
( 2 ) . المؤمنون : 12 - 14 .
( 3 ) . معترك الأقران : ج 1 ص 40 .