خاصٍّ وليس بالأمر الَّذي يتدخَّل فيه الحدس أو الاجتهاد النظري !
قال ابن حجر : وأمّا نزول شيء من سورة بمكَّة ثمَّ يتأخّر نزول أصل السورة إلى المدينة ، فلم أره إلّانادراً ، فقد اتَّفقوا على أنَّ الأنفال مدنية ، لكن قيل : إنَّ قوله تعالى :
« وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا »
« 1 » نزلت بمكَّة ثمَّ نزلت سورة الأنفال بالمدينة ، وهذا غريب جدّاً « 2 » .
وقد استوفينا الكلام عن ذلك وأبدينا رأينا في إنكار مزعومة الاستثناء رأساً ، حيث لا دليل عليه البتّة وإليك نماذج منها :
* مثلًا قالوا - في سورة البقرة المدنية - في قوله تعالى :
« فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ »
« 3 » : إنّها نزلت بمكّة بشأن المشركين أيام كان المسلمون ضعفاء . لكن صدر الآية :
« وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ . . . »
شاهد نزولها بشأن أهل الكتاب في أوائل الهجرة ، حيث لم تقوّ شوكة المسلمين آنذاك . ثم نسخت بقوله تعالى :
« قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
. . .
مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ »
« 4 » . « 5 »
* وهكذا قالوا في قوله تعالى :
« وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ . . . »
« 6 » : هي آخر آية نزلت على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وهو بمنى في حجّة الوداع « 7 » .
غير أنّ هذا القول مبتنٍ على كون المكان معياراً للوصف بالمكّية والمدنية ، وقد أسبقنا أنّ المعيار هو زمان الهجرة ، فما نزلت بعدها فهي مدنية وإن نزلت بمكّة أو غيرها .
* كما أن زعم بعضهم : أنّ الآية :
« إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها »
« 8 » نزلت بمكّة بعد الفتح ، فهي مكّية في سورة مدنية « 9 » أيضاً مردود بعد كون المعيار زمان الهجرة .
هامش
( 1 ) الأنفال : 30 .
( 2 ) فتح الباري بشرح البخاري : ج 9 ص 38 .
( 3 ) البقرة : 109 .
( 4 ) التوبة : 29 .
( 5 ) راجع مجمع البيان : ج 1 ص 184 - 185 ، والدرّ المنثور : ج 1 ص 107 .
( 6 ) البقرة : 281 .
( 7 ) الدّر المنثور : ج 1 ص 370 .
( 8 ) النساء : 58 .
( 9 ) مجمع البيان : ج 3 ص 63 .