وروي أنَّ آخر آية نزلت :
« وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ »
« 1 » . نزل بها جبرائيل ، وقال : ضعها في رأس المائتين والثمانين من سورة البقرة . وعاش الرسول صلى الله عليه وآله بعدها أحداً وعشرين يوماً ، وقيل سبعة أيّام « 2 » .
قال ابن واضح اليعقوبي : وقد قيل : إنَّ آخر ما نزل عليه صلى الله عليه وآله
« الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً »
« 3 » قال : وهي الرواية الصحيحة الثابتة الصريحة . وكان نزولها يوم النصّ على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات اللَّه عليه بغدير خمّ « 4 » .
أقول : لاشكَّ أنَّ سورة النصر نزلت قبل براءة ، لأنَّها كانت بشارة بالفتح ، أو بمكَّة عام الفتح « 5 » وبراءة نزلت بعد الفتح بسنة . فطريق الجمع بين هذه الروايات : أنَّ آخر سورة نزلت كاملة هي سورة النصر ، فقال صلى الله عليه وآله : « أما إنَّ نفسي نعيت إليَّ » « 6 » . وآخر سورة نزلت باعتبار مفتتحها هي سورة براءة . وأمّا آية
« وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ »
فإن صحَّ أنَّها نزلت بمنى يوم النحر في حجَّة الوداع كما جاء في رواية الماوردي « 7 » ، فآخر آية نزلت هي آية الإكمال ، كما ذكرها اليعقوبي ، لأنَّها نزلت في مرجعه صلى الله عليه وآله من حجَّة الوداع ثامن عشر ذي الحجّة . وإلّا فلو صحَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وآله عاش بعد آية
« وَاتَّقُوا . . . »
أحداً وعشرين يوماً أو سبعة أو تسعة أيام فهذه هي آخر آية نزلت عليه صلى الله عليه وآله .
والأرجح عندنا هو ما ذهب إليه اليعقوبي ، نظراً لأنَّها آية الإعلام بكمال الدين ، فكانت إنذاراً بانتهاء الوحي عليه صلى الله عليه وآله بالبلاغ والأداء . فلعلَّ تلك الآية كانت آخر آيات الأحكام ، وهذه آخر آيات الوحي إطلاقاً .
وهناك أقوال وآراء اخر لا قيمة لها ، إنَّها غير مستندة إلى نصّ معصوم . قال القاضي أبو بكر - في الانتصار - : وهذه الأقوال ليس في شيء منها ما رفع إلى النبي صلى الله عليه وآله ، ويجوز أن
هامش
( 1 ) البقرة : 281 .
( 2 ) تفسير شبّر : ص 83 .
( 3 ) المائدة : 3 .
( 4 ) تاريخ اليعقوبي : ج 2 ص 35 .
( 5 ) أسباب النزول بهامش الجلالين : ج 2 ص 145 .
( 6 ) مجمع البيان : ج 2 ص 394 .
( 7 ) البرهان للزركشي : ج 1 ص 187 .