موقف النبي صلى الله عليه وآله من الوحي
هنا موضوعان لهما أهميّة كبيرة بشأن رسالة الأنبياء وصدق دعوتهم إلى اللَّه ، لابدَّ من معالجتهما بصورة علمية مقبولة . وقد تكلَّم فيهما عامَّة أهل السنَّة بطريقة غير مألوفة ، وربَّما لا يستسيغها العقل الفطري في شيء . أمّا علماؤنا الإمامية فتكلَّموا فيهما بطريقة عقلية على أساس الاستدلال البرهاني مدعماً بالنقل المأثور عن أئمَّة أهل البيت عليهم السلام .
الأوَّل : كيف عرف النبي صلى الله عليه وآله أنَّه مبعوث ؟ ولِمَ لم يشكّ في أنَّ الَّذي أتاه شيطان ، واطمأنَّ أنَّه جبرائيل عليه السلام ؟
الثاني : هل يجوز على النبي صلى الله عليه وآله أن يخطأ فيما يوحى إليه ، فيلتبس عليه تخيّلات باطلة في نفسه لتبدو له بصورة وحي ، أو يلقي عليه إبليس ما يظنُّه وحياً من اللَّه ؟
والأكثر في الموضوع الأوَّل جعلوا من النبي صلى الله عليه وآله مرتاعاً في أوَّل أمره ، خائفاً على نفسه من مسّ جنون ، عائذاً إلى أحضان زوجه الوفية ، لتستنجد هي بدورها إلى ابن عمّها ورقة بن نوفل ، فيطمئنّه هذا بأنَّه نبيّ ، ويؤكِّد عليه ذلك حتّى يطمئنّ ويستريح باله .
أمّا الموضوع الثاني فقد أجازوا لإبليس أن يتلاعب بوحي السماء فيلقي على النبي صلى الله عليه وآله ما يظنّه وحياً - كما في حديث الغرانيق - لولا أن يتداركه جبرائيل فيذهب بكيد الشيطان .
وقد ذهب أئمة أهل البيت عليهم السلام في كلا الموضوعين مذهباً نزيهاً ، وجعلوا من النبي صلى الله عليه وآله أكرم على اللَّه من أن يتركه إلى إنسان غيره ولا ينير عليه الدلائل الواضحة على نبوَّته الكريمة في تلك الساعة الحرجة . كما لا يدع للشيطان أن يستحوذ على مشاعر نبيّه الكريم :
« وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ »
« 1 »
.
هذا ، ويجدر بنا ونحن نحاول تنزيه جانب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ممّا ألصقوه بكرامته ، أن نتكلّم في كلا المجالين بصورة مستوفاة ، كلًّا على حدة .
هامش
( 1 ) الطور : 48 .