لاشكّ أنّ الأثر بيّن على ذلك الفرض ، لأنّ الاختلاف في التعبير - بعد أن كانت تصاريف الكلمات تحمل معاني متخالفة طبعاً - قد يوجب تخالفاً في التفسير ويتعقّبه اختلافاً في الإنتاج الفقهي للأحكام . وقد تصبح القراءات المختلفة متعارضة المفاد ، كتعارض الروايتين الموجب لتهافت فقه الحديث أحياناً ، فلابدّ من العلاج كما هناك .
وإليك نماذج من الاختلاف في القراءة ممّا أوجب اختلافاً في التفسير وكذا في استنباط الأحكام فيما حسبوا :
1 - قوله تعالى :
« أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ . . . »
في سورتي النساء : 43 والمائدة : 6 .
فقد قرأ حمزة والكسائي وخلف : « لمستم النساء » . ووافقهم الأعمش . « 1 » قالوا : فعلى قراءة المشهور يكون المعنى : جامعتم . . . وعلى القراءة الأُخرى يحتمل الجماع أو الأعمّ منه ومن مجرّد اللّمس . ومن ذلك اختلف الفقهاء في مسألة نقض الوضوء بمجرد لمس بشرة المرأة .
قال ابن رشد : اختلف العلماء في إيجاب الوضوء مِنْ لمس النساء باليد أو بغير ذلك من الأعضاء الحسّاسة ، فذهب قوم إلى : أنّ من لمس امرأة بيده مفضياً إليها ، ليس بينها وبينه حجاب ولا ستر فعليه الوضوء وكذا من قبّلها ، لأنّ القبلة عندهم لمس مّا ، سواء التذّ أم لم يلتذّ .
وبهذا القول قال الشافعي وأصحابه . لكنّه فرّق مرّةً بين اللّامس فأوجب عليه دون الملموسة ، ومرّةً سوّى بينهما . وأُخرى فرّق بين الزوجة فأوجب دون غيرها من ذوات المحارم ، ومرّة سوّى بينهما .
وذهب آخرون إلى الإيجاب إذا قارنته لذّة أو قصدها ما عدى القبلة فلم يشترطوا فيها اللذّة . وهو مذهب مالك وجمهور أصحابه .
ونفى قوم إيجاب الوضوء لمن لمس النساء ، وهو مذهب أبي حنيفة ولكلّ سلف من الصحابة . « 2 »
هامش
( 1 ) النشر ، ج 2 ، ص 250 .
( 2 ) بداية المجتهد ، ج 1 ، ص 38 - / 39 .