النحل ويس « 1 » .
وقد أجمع المحقِّقون على أنَّ النصب هنا ضعيف ، كما اتَّفق باقي القرّاء على الرفع ، لأنَّ « كن » ليس أمراً على حقيقته ، لأنَّه ليس خطاباً لموجود ، وإنَّما معناه : فإنَّما يكوِّنه فيكون « 2 » .
وهكذا قراءات ضعيفة - تقدَّم بعضها - من السبعة وغيرهم تشي بضعف مقدرة قرّائها ، وأنكرها المحقِّقون من العلماء النقّاد ، سواء في مجال الفقاهة أم في حقل الأدب الرفيع ، فكيف نوافق على قرآنيَّتها ونضرب بجميع الأصول والقواعد عرض الجدار ؟ ! فالَّذي تقتضيه قواعد التمحيص هو النظر في منشأ القراءة ، فإن كانت عن مستند وثيق وعن دراية صحيحة الأصول تُقبل ويُعترف بقرآنيَّتها أيضاً ، وكلّ قراءة خالفت أصول التمحيص الصحيح فهي ضعيفة شاذَّة يجب نبذها رأساً . سواء أكانت عن السبعة أم عن غيرهم ، وتقدَّم كلام أئمّة التحقيق في ذلك .
* * * وأمّا عدم المعارضة بالأقوى حجّة ، فلأنَّ القراءة إنَّما تكون حجّة إذا لم يعارضها حجَّة أقوى ، حسب قانون « التعادل والترجيح » في باب الأُصول .
فمثل « أرجلكم » قراءةً بالخفض ، وإن قرأ بها بعض كبار القرّاء لكنَّها حيث كانت معارضة للدليل الأقوى فهي مرفوضة كما رفضها جمهور المسلمين ، وكانت علامة الثبت الأُولى ، والَّتي كان عليها ثبت المصاحف هي علامة النصب .
أمّا الدليل الأقوى الَّذي يرجِّح النصب على الخفض فهو : اعتبار الاستيعاب - طولًا - في مسح الأرجل ، نظراً لذكر الحدّ - بدءً ومنتهىً - في الآية الكريمة ( من رؤوس أصابع الأقدام إلى الكعبين ) .
ولتوضيح هذا الجانب من المسألة الفقهيَّة المستنبطة من الآية الكريمة لابدَّ من تمهيد مقدّمة ، هي :
هامش
( 1 ) انظر التيسير : ص 76 .
( 2 ) راجع التفصيل في غريب إعراب القرآن لابن الأنباري : ج 1 ص 119 - 120 ، والكشف : ج 1 ص 261 .