النزول وفق الرأي العامّ ، ممّا يدلّ على أنَّ اختيارهم الأوَّل كان عن اجتهاد لا غير .
جاء في نهاية ابن الأثير ، قال : ولمّا حجَّ المهدي قدّم الكسائي يصلّي بالمدينة ، فهمز فأنكر عليه أهل المدينة ، وقالوا : إنّه ينبر في مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بالقرآن .
والنبر : همز الحرف ، ولم تكن قريش تهمز في كلامها ، قال رجل : يا نبي اللَّه ، فنهره النَّبي صلى الله عليه وآله وقال : إنّا معشر قريش لاننبر . وفي رواية : لا تنبر باسمي « 1 » .
قال ابن مجاهد : قال لي قنبل ( أحد راويي ابن كثير ) : قال القواس في سنة 237 ه : الق هذا الرجل ( يعني البزّي ، الراوي الآخر لابن كثير ) فقل له : هذا الحرف ليس من قراءتنا ، يعني
« وَما هُوَ بِمَيِّتٍ »
« 2 » مخفّفاً . وإنَّما يخفَّف من الميِّت من قد مات ، وأمّا من لم يمت فهو مشدَّد . فلقيت البزّي فأخبرته ، فقال : قد رجعت عنه . . . « 3 » ولولا أنّ اختياره الأوَّل كان عن اجتهاد لما صحَّ له الرجوع ولما جاز الإنكار عليه .
وأيضاً قال محمَّد بن صالح : سمعت رجلًا يقول لأبي عمرو بن العلاء : كيف تقرأ « لا يعذب عذابه أحد . ولا يوثق وثاقه أحد » « 4 » ؟ فقال : « لا يعذِّب » - بكسر الذال المشدَّدة - .
فقال له الرجل : كيف وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله « لا يعذَّب » - بالفتح - ؟ فقال أبو عمرو : لو سمعت الرجل الَّذي قال سمعت النبي صلى الله عليه وآله ما أخذته عنه ، أوَتدري ما ذاك ؟ لأنّي أتّهم الواحد الشاذّ إذا كان على خلاف ما جاءت به العامَّة « 5 » .
انظر إلى كلام أبي عمرو هنا ، إنَّه يعتمد في قراءته على تسالم عامَّة المسلمين ( وهو أحد مقاييسنا في اختيار القراءة الصحيحة فيما سيأتي ) ويترك رواية الواحد إلى جانب ولا يعبأ بها .
هذا ، في حين أنَّ الفتح هي قراءة الكسائي من السبعة ، ويعقوب من العشرة ، والحسن من الأربعة « 6 » .
هامش
( 1 ) النهاية : ج 5 ص 7 .
( 2 ) إبراهيم : 17 .
( 3 ) مناهل العرفان : ج 1 ص 452 عن منجد المقرئين لابن الجزري .
( 4 ) الفجر : 25 و 26 .
( 5 ) مناهل العرفان : ج 1 ص 452 عن منجد المقرئين .
( 6 ) إتحاف فضلاء البشر : ص 439 .