أسانيد تشريفية
اصطلح المؤلِّفون في القراءات على ذكر إسناد القرّاء ، ولا سيَّما السبعة ، متّصلًا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، وهذا شيء التزموه مهما استدعى تكلّفاً ظاهراً ، في حين أنَّ القرّاء أنفسهم لم يكونوا يلتزمون بذلك في غالب اختياراتهم ، وإنَّما يذكرون لها حججاً وتعاليل ، ذكرتها كتب القراءات بتفصيل .
والأرجح أنَّ الأسانيد المذكورة في بعض كتب القراءات - كالتيسير والتحبير والمكرَّر - أسانيد تشريفيَّة ، محاولة لنسبتها إلى النبي صلى الله عليه وآله تفخيماً بشأن القراءة ، وهي من شؤون القرآن الكريم . وإلّا فأدنى تمحيص بشأن هذه الأسانيد يكشف عن واقعية مفضوحة .
مثلًا : نجد عبد اللَّه بن عامر اليحصبي ( ت 118 ه ) - أقرب القرّاء السبعة إلى عهد الصحابة - لا سند له متّصلًا إلى أحد الصحابة الاختصاصيّين بقراءة القرآن . فقد ذكر ابن الجزري في إسناده تسعة أقوال ، وأخيراً يرجِّح أنَّه قرأ على المغيرة ابن أبي شهاب المخزومي ، وهذا قرأ على عثمان بن عفّان ، وعثمان قرأ على النبي صلى الله عليه وآله . ثمَّ ينقل عن بعضهم :
أنَّه لا يدري على من قرأ ابن عامر ؟ « 1 » ثمَّ نتساءل : من هذا المغيرة المخزومي الَّذي قرأ عليه ابن عامر ؟ يقول الذهبي : وأحسبه كان يقرئ بدمشق في دولة معاوية ، ولا يكاد يعرف إلّامن قبل قراءة ابن عامر عليه ! « 2 » .
انظر إلى هذا التهافت الباهت والدور الفاضح ، يعزي إسناد قراءة ابن عامر إلى شيخ مجهول لا يعرف إلّامن قبله ! ؟
ثمَّ من أين عرفوا أنَّ المغيرة هذا قرأ على عثمان ؟ وبأيِّ سند أثبتوا هذه التَّلمذة المصطنعة ؟ ومتى تصدّى عثمان لإقراء الناس ؟ أفي زمان خلافته المضطرب أم قبله ؟ ومن الَّذي وصف عثمان بشيخ القراءة أو الإقراء ، سواء في حياة الرسول صلى الله عليه وآله أم بعد وفاته ؟ !
نعم هكذا إسناد مفضوح لا يستدعي تحمّساً ولا تعصّباً أعمى ، فضلًا عن نعته بالتواتر المكذوب !
هامش
( 1 ) طبقات القرّاء : ج 1 ص 404 .
( 2 ) معرفة القرّاء الكبار : ج 1 ص 43 .