والمسافة بينهما شاسعة . أو إلقاء روحي ، من قبل أرواح عالية أو سافلة « 1 » وقيل : إنَّها فكرة رحمانيّة توحيها الملائكة ، تنفثها في روع إنسان يريد اللَّه هدايته ، أو وسوسة شيطانية تلقيها أبالسة الجنّ لغرض غوايته .
* * * ومن الإلهام الرحماني قوله تعالى :
« وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ »
« 2 »
.
قال الأزهري : الوحي هنا : إلقاء اللَّه في قلبها . قال : وما بعد هذا يدلّ - واللَّه أعلم - على أنَّه وحي من اللَّه على جهة الإعلام ، للضمان لها
« إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ »
. وقيل : إنَّ معنى الوحي هنا : الإلهام . قال : وجائز أن يلقي اللَّه في قلبها أنَّه مردود إليها وأنَّه يكون مرسلًا ، ولكنَّ الإعلام أبين في معنى الوحي هنا « 3 » .
والشيخ المفيد قدس سره أخذ الوحي هنا بمعنى الإعلام الخفيّ ، في كتابه « أوائل المقالات » .
لكنَّه في كتابه « تصحيح الاعتقاد » جعله بمعنى رؤيا أو كلام سمعته امّ موسى في المنام .
وقال - بصدد إيضاح معنى الوحي - : أصل الوحي هو الكلام الخفيّ ، ثمَّ قد يطلق على كلّ شيء قصد به إفهام المخاطب على السرّ له عن غيره « 4 » .
وأمّا التعبير بالوحي عن وسواس الشيطان وتسويله خواطر الشرّ والفساد ، فجاء في قوله تعالى :
« وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً »
« 5 » . وقال :
« وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ »
. « 6 » ويفسّره قوله :
« مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ . الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ
هامش
( 1 ) راجع مفصل الإنسان روح لا جسد لرؤوف عبيد : ج 1 ص 542 .
( 2 ) القصص : 7 .
( 3 ) لسان العرب لابن منظور .
( 4 ) راجع أوائل المقالات : ص 39 ، وتصحيح الاعتقاد : ص 56 .
( 5 ) الأنعام : 112 .
( 6 ) الأنعام : 121 .