قال أبو إسحاق : أصل الوحي في اللغة كلّها : إعلام في خفاء ، ولذلك سمّي الإلهام وحياً .
وقال ابن بري : وحى إليه وأوحى : كلَّمه بكلام يخفيه من غيره . ووحى وأوحى : أومأ .
قال الشاعر : فأوحت إلينا والأنامل رسلها « 1 » أي أشارت بأناملها .
الوحي في القرآن
واستعمله القرآن في معانٍ أربعة :
1 - نفس المعنى اللغوي : الإيماءة الخفية . وقد مرّ في آية مريم .
2 - تركيز غريزيّ فطريّ ، وهو تكوين طبيعيّ مجعول في جبلَّة الأشياء ، استعارة من إعلام قوليّ لإعلام ذاتيّ ، بجامع الخفاء في كيفية الإلقاء والتلقّي ، فبما أنَّ الوحي إعلام سرّي ، ناسب استعارته لكلّ شعور باطنيّ فطريّ . ومنه قوله تعالى :
« وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ . ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا »
« 2 » . فهي تنتهج وفق فطرتها ، وتستوحي من باطن غريزتها ، مذلَّلة لما أودع فيها من غريزة العمل المنتظم ، ومن ثمَّ فهي لا تحيد عن تلك السبيل .
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى :
« وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها »
« 3 » أي قدّر . وقد استوحى العجاج هذا المعنى من القرآن في قوله :
أوحى لها القرار فاستقرَّت * وشدَّها بالراسيات الثبَّت « 4 »
3 - إلهامٌ نفسيّ ، وهو شعور في الباطن ، يحسّ به الإنسان إحساساً يخفى عليه مصدره أحياناً ، وأحياناً يلهم أنَّه من اللَّه . وقد يكون من غيره تعالى .
وهذا المعنى هو المعروف عند الروحيين بظاهرة « التلباثي : التخاطر من بعيد » وهو خطور باطنيّ آنيّ لا يعرف مصدره . قالوا : إنَّها فكرة تنتقل من ذهن إنسان إلى آخر ،
هامش
( 1 ) لسان العرب لابن منظور .
( 2 ) النحل : 68 و 69 .
( 3 ) فصّلت : 12 .
( 4 ) لسان العرب لابن منظور .