نعم ، جاءت قضية مراعاة جانب التسهيل على الامَّة من بعض السلَف ، لتجوز القراءة بأيّ نحو كانت ، ما دامت تؤدّي نفس المعنى الأصلي من غير تحريف فيه ، الأمر الَّذي يكون خارج النصّ المثبت قطعيّاً .
ومن ثمَّ أجاز ابن مسعود أن ينطق ذلك الأعجمي بدل
« طَعامُ الْأَثِيمِ »
ب « طعام الفاجر » .
فاستبدل من النصّ الصعب التلفّظ بالنسبة إليه لفظاً أسهل ، لكنَّه لم يثبته في المصحف كنصّ قرآني ، ولم يكن ذلك منه تجويز التبديل في نصِّ الوحي ، حاشاه !
وهكذا كان تجويز عائشة لذلك العراقي : وما يضرّك أيَّه قرأت « 1 » . توسعةً في مقام القراءة فقط ، لا توسعة في ثبت النصّ القرآني الَّذي هو وحي السماء في المصحف ، ولا شكَّ أنَّ مصحفها كان ذا ثبت واحد قطعاً .
* * * جهة سادسة : ربَّما كان ابن مسعود يزيد في لفظ النصّ زيادات تفسيرية كانت أشبه بتعليقات إيضاحية أدرجت ضمن النصّ الأصلي .
وهذا أيضاً كان مبنيّاً على مذهبه ( التوسعة في اللفظ ) لغرض الإيضاح ، مع التحفّظ على نفس المعنى الأصيل .
وهكذا اعتبر أئمَّة الفنّ هذه الزيادات في قراءة ابن مسعود تفسيرات ، ولم يعتبروها نصّاً قرآنيّاً منسوباً إلى ابن مسعود ، ليكون اختلافاً بين السلف في نصّ الوحي .
نعم ، كانت هذه التوسعة من ابن مسعود محاباة غير مستحسنة بالنصِّ القرآني ، ربَّما كانت تؤدّي بالنصّ الأصلي وتجعله عرضة للتحريف والتغيير ، الأمر الَّذي كان يتنافى تماماً مع تلك الحيطة والحذر على نصّ القرآن النازل من السماء . وقد تمسَّك بعض الأغبياء بذلك وجعله دليلًا على جواز إدخال ما ليس من القرآن في القرآن إذا كان الغرض هو التفسير والإيضاح « 2 » لكنّه تفريع على أصل باطل .
هامش
( 1 ) راجع صحيح البخاري : ج 6 ص 228 .
( 2 ) راجع الزرقاني على الموطأ : ج 1 ص 255 .