قال سُليم بن قيس الهلالي - وقد عدّه النجاشي من الطبقة الأولى « 1 » من زمرة السلف الصالح - : جلست إلى عليّ عليه السلام بالكوفة في المسجد والناس حوله ، فقال : سلوني قبل أن تفقدوني ، سلوني عن كتاب اللَّه ، فواللَّه ما نزلت آية من كتاب اللَّه إلّاوقد أقرأنيها رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وعلّمني تأويلها . فقال ابن الكوّاء « 2 » : فما كان ينزل عليه وأنت غائب ؟ فقال عليه السلام : بلى ، يحفظ عَلَيَّ ما غِبْتُ عنه ، فإذا قدمت عليه قال لي : يا عليّ ، أنزل اللَّه بعدك كذا وكذا ، فيقرأنيه ، وتأويله كذا وكذا فيعلّمنيه . . « 3 » والتأويل هنا تفسير مواضع إبهام الآية .
وأوّل من كتب الوحي لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله عند مقدمه المدينة هو أبي بن كعب ، الصحابي الجليل ، قال ابن سعد : كان أبي يكتب في الجاهلية قبل الإسلام ، وكانت الكتابة في العرب قليلة ، وكان يكتب في الإسلام الوحي لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله « 4 » .
قال ابن عبد البرّ : أول من كتب لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله عند مقدمه المدينة أبي بن كعب ، وهو أوّل من كتب في آخر الكتاب : وكتب فلان « 5 » .
وهو الذي أمر اللَّه رسوله أن يقرأ عليه القرآن ويعرضه عليه ، وكان ممّن عرضت عليه الفرصة الأخيرة . ومن ثم تولّى المرجعية الأعلى للجنة توحيد المصاحف على عهد عثمان .
كان هو المملي عليهم ، وكان إذا تدارأوا في شيء يصحّحه لهم ، وغير ذلك ممّا شرحناه في الجزء الأوّل من التمهيد « 6 » .
وكان زيد جاراً لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله بالمدينة ، كان إذا لم يحضر ابَيّ دعاه ليكتب له ، ولا سيّما رسائله بالعبرية . ثمّ تداوم هو وابيّ الكتابة لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله .
هامش
( 1 ) رجال النجاشي : ص 6 في ذكر الطبقة الأولى .
( 2 ) هو عبد اللَّه بن عمرو اليشكري ، عالم نسّابة ، ومساءلته لأمير المؤمنين عليه السلام معروفة .
( 3 ) كتاب سُليم بن قيس الهلالي برواية أبان بن أبي عيّاش البصري التابعي : ص 213 - 214 .
( 4 ) الطبقات لابن سعد : ج 3 ق 2 ص 59 طبع ليدن .
( 5 ) الإصابة لابن حجر : ج 1 ص 19 ، الاستيعاب بهامشه ج 1 ص 50 و 51 .
( 6 ) راجع التمهيد : ج 1 ص 336 و 344 ، والمصاحف للسجستاني : ص 30 .