واسمعي يا جارة » . كان الخطاب في ظاهره مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم غير أنّ المقصود غيره من المتشكّكين في أمر الرسالة ، وليسوا هم المسلمين أيضا ، بل الكفّار والمنافقون هم المقصودون ، بدليل صدر الآية وذيلها :
« فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ »
« 1 » .
والعجب من الذهبيّ كيف يزعم أنّ هذه الآية جاءت رخصة للنبيّ في مراجعة أهل الكتاب ؟ ! أو هل يشكّ النبيّ فيما أُنزل إليه ؟ ! أو هل يمتري النبيّ في صدق رسالته كي يؤمر بالانتهاء منه ؟ !
لا شكّ أنّ المقصود غيره من الذين كانوا يتشكّكون في صدق رسالته ، ولقد كان المرجع الوحيد الذي يمكن أولئك المتشكّكين اللّجوء إليه هم « أهل الكتاب » الذين جاوروهم ، وليس النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بمقصود البتّة ، ولا المسلمون المعتقدون بصحّة الرسالة .
وهكذا قوله تعالى :
« فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ »
« 2 » خطاب محض موجّه إلى العرب الجاهليّ .
* * * أمّا حديث « حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج » فهو كناية عن التوسّع في تفضيع شأنهم ؛ حيث كلّ ما حدّثْته عنهم من رذائل وفضائح فهو حقّ لا مرية فيه ؛ حيث توسّعهم في ارتكاب الآثام وركوبهم جميع القبائح المحتملة بشأنهم ، كما جاء في المَثَل : « حَدّث عن البحر ولا حرج » كناية عن التوسّع في الأمر ، وأنّه كلّ ما قلتَ عنه فهو صحيح . ومنه قولهم بشأن معن بن زائدة الشيبانيّ وكان من أجواد العرب : « حدِّث عن معن ولا حرج » ، كناية عن توسّعه في المكرمات ، فكلّ ما حدّثْتَ عنه من فضيلة ، فهو صدق واقع « 3 » .
فهذا تعبير كنائيّ عن مطلق التوسّع في أمر إن شينا أو زينا ، وليس المقصود التحدّث ، بمعنى الرواية والنقل عنهم .
هامش
( 1 ) - . يونس 94 : 10 .
( 2 ) - . النحل 43 : 16 .
( 3 ) - . راجع : مجمع الأمثال للميدانيّ ، ج 1 ، ص 207 ، رقم 1103 ؛ فرائد الأدب للأب لويس معلوف .