أهل الكتاب بقوله : « أَ مُتَهوِّكون فيها يا ابن الخطّاب » .
قال : « نعم لا تعارُض بين هذا وذاك ؛ لأنّ صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كانوا أعرف الناس بأمور دينهم ، وكان لهم منهج سديد ومعيار دقيق في قبول ما يُلقى إليهم من الإسرائيليّات ، ما كانوا يرجعون إليهم في كلّ شيء ، وإنّما كانوا يرجعون إليهم لمعرفة بعض جزئيّات الحوادث والأخبار .
قال : أمّا إنكار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإنكار الصحابة على من كان يرجع إليهم ، فقد كان في مبدأ الإسلام وقبل استقرار الأحكام ، مخافة التشويش على عقائدهم وأفكارهم « 1 » .
قال ابن حجر : « وكأنّ النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلاميّة والقواعد الدينيّة خشية الفتنة . ثمّ لمّا زال المحذور وقع الإذن في ذلك ، لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار » « 2 » .
مناقشة دلائل الجواز
غير أنّ هذه الدلائل غير وافية بإثبات المطلوب ، ولا هي تُبرّر مراجعة أهل الكتاب في شيء من تفسير القرآن الحكيم أو تاريخ الأنبياء عليهم السلام .
ذلك لأنّ اليهود الذين جاوروا العرب كانوا أهل بادية مثلهم - كما قال ابن خلدون - لا علم لهم ولا تحقيق بمعرفة الصحيح من الأخبار ، سوى ما شاع لديهم من أخبار عامّيّة ممّا لا يمكن الوثوق بها . أمّا علماؤهم فكانوا أهلَ دجلٍ وتزوير ، كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم - كما حكى عنهم القرآن - ويزوّرون الحديث ويقولون : هذا من عند اللّه ، وما هو من عند اللّه ، ليشتروا به ثمنا قليلًا ، بُغية حطام الدنيا الرذيلة .
ومن ثَمَّ كان المنع من ذلك شديدا كما عرفت في مناهي النبيّ وأصحابه الكبار عن ذلك ، ولم يدلّ على جوازه شيء من الأخبار والآثار .
أمّا الآيات التي زعموها مبيحةً لذلك ، فالاستدلال بها عقيم ؛ لأنّها من باب « إيّاك أعني
هامش
( 1 ) - . المصدر نفسه ، ص 66 - 67 .
( 2 ) - . راجع : فتح الباري ، ج 6 ، ص 361 .