أمام أربع كلمات تتكرّر بلفظها ومفهومها من بداية القرآن إلى نهايته . وإذا هو يصول ويجول في كلّ مرّة وكأنّه في بداية الحملة وعلى كامل نشاطه في استبطان الظاهر واستنباط ما خبئ في مطاوي اللفظ واستخراج لئاليه . .
هو عند تفسير البسملة من سورة الحمد يقول :
الباء في
« بِسْمِ اللَّهِ »
حرف التضمين ، أي باللّه ظهرت الحادثات ، وبه وجدت المخلوقات ، فما من حادث مخلوق ، وحاصل منسوق ، من عين وأثر وغَبر ، وغيرٍ من حجر ومدر ، ونجم وشجر ، ورسم وطلل ، وحكم وعلل ، إلّا بالحقّ وجوده ، والحقّ مَلِكه ومن الحقّ بدؤه ، وإلى الحقّ عوده ، فبه وَجَدَ من وَحَّدَ ، وبه جحد من ألحد ، وبه عرف من اعترف ، وبه تخلّف من اقترف « 1 » .
لم نعرف حرف التضمين ، ولم نعرف كيف فسّر البسملة من هذه السورة بهذه المعاني ، ولكنّه في سائر السور يفسّرها بمعان أُخر ، ولعلّه يدّعي أَنْ هكذا أُلهم وأُشرق عليه ، انظر إلى تفسيره لبسملة سورة البقرة :
الاسم مشتقّ من السموّ والسمة ، فسبيل من يذكر هذا الاسم أن يتّسم بظاهره بأنواع المجاهدات ، ويسمو بهمّته إلى محالّ المشاهدات ، فمن عَدِم سمة المعاملات على ظاهره ، وفَقَدَ سموّ الهمّة للمواصلات بسرائره ، لم يجد لطائف الذكر عند قالته ، ولا كرائم القرب في صفاء حالته « 2 » .
وفي بسملة سورة آل عمران :
اختلف أهل التحقيق - يعني بهم الصوفيّة وأهل التأويل - في اسم « اللّه » هل هو مشتقّ من معنى أم لا ؟ فكثير منهم قالوا : إنّه ليس بمشتقّ من معنى ، وهو له سبحانه على جهة الاختصاص ، يجري في وضعه مجرى أسماء الأعلام في صفة غيره ، فإذا قرع بهذا اللفظ أسماع أهل المعرفة لم تذهب فهومهم ولا علومهم إلى معنى غير وجوده سبحانه وحقّه .
هامش
( 1 ) - . لطائف الإشارات ، ج 1 ، ص 56 .
( 2 ) - . المصدر نفسه ، ص 64 - 65 .