الباء من بسم اللّه ، وليس لزيادتها علّة ، ليُعلَم أنّ الإثبات والإسقاط بلا علّة ؛ فلا يقبل من قَبِلَ لاستحقاق علّة ، ولا ردّ من ردّ لاستيجاب علّة !
فإن قيل : العلّة في إسقاط الألف من بسم اللّه كثرة الاستعمال في كتابتها ، أُشكل بأنّ الباء في بسم اللّه زيد في كتابتها ، وكثرة الاستعمال موجودة .
فإن قيل : العلّة في زيادة شكل الباء بركة أفضالها بسم اللّه ، أُشكل بحذف ألف الوصل ، لأنّ الاتّصال فيها موجود . .
فلم يبق إلّا أنّ الإثبات والنفي ليس لهما علّة ؛ يرفع من يشاء ويمنع من يشاء « 1 » .
ويتّضح من ذلك أنّ استنباط الإشارة ليس - كما قلنا - مسألة عشوائيّة ، إنّما هو خاضع لقواعد وأصول ، هم مهّدوها من قبل .
وبذلك نراه لا ينثني عن منهجه - في افتراض القول بلا موجب - حتّى في سورة براءة ، التي لم تفتتح بالبسملة ، وحسبها من غير سبب معقول لنا . . يقول : « الحقّ - سبحانه - جرّد هذه السورة عن ذكر البسملة ، ليُعلَم أنّه يخصّ من يشاء وما يشاء بما يشاء ، ويُفرد من يشاء بما يشاء ، لا لصنعه سبب ، ولا في أفعاله غرض ولا أَرَب .
ومن قال : إنّه لم يذكرها ، لأنّ السورة مفتتحة بالبراءة من الكفّار ، فهو - وإن كان وجها في الإشارة - إلّا أنّه ضعيف ، وفي التحقيق بعيد ، لأنّه افتتح سورا من القرآن بذكر الكفّار ، مثل قوله :
« لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا »
في سورة البيّنة . ومثل قوله :
« وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ »
في سورة الهمزة ، وقوله :
« تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ »
في سورة المسد وقوله :
« قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ »
في سورة الكافرون . . فهذه كلّها مفاتح السور ، والبسملة مثبتة في أوائلها ، وهي متضمّنة ذكر الكفّار » . « 2 »
وبعد أن ينتهي القشيريّ من بسط مذهبه في كلّ بسملة على هذا النحو الطريف الممتع يبدأ في تفسير السورة آية آية تفسيرا على نمط أهل الذوق والعرفان . . « 3 »
هامش
( 1 ) - . لطائف الإشارات ، ج 3 ، ص 262 . وبحقّ إنّه كلام مُغلَق لا محصَّل له ظاهرا !
( 2 ) - . المصدر نفسه ، ص 5 .
( 3 ) - . راجع : المصدر نفسه المقدّمة ، ج 1 ، ص 38 - 40 .