فإن قلت : ما فائدة هذا التوكيد يعني في قوله :
« إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ » ؟
قلت : فائدته أنّ قوله :
« لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ »
هو توحيد ، وقوله :
« قائِماً بِالْقِسْطِ »
تعديل ، فإذا أردفه بقوله :
« إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ »
فقد آذن أنّ الإسلام هو العدل والتوحيد ، وهو الدين عند اللّه ، وما عداه فليس عنده في شيء من الدين . وفيه : أنّ من ذهب إلى تشبيه ، أو ما يؤدّي إليه كإجازة الرؤية ، أو ذهب إلى الجبر الذي هو محض الجور ، لم يكن على دين اللّه الذي هو الإسلام ، وهذا بيّن جليّ كما ترى « 1 » .
* * * وعند تفسيره لقوله تعالى :
« قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ »
« 2 » ، قال : « ثمّ تعجّب من المتّسمين بالإسلام ، المتّسمين بأهل السنّة والجماعة ، كيف اتّخذوا هذه العظيمة مذهبا ، ولا يغرّنك تستّرهم بالبلكفة « 3 » فإنّه من منصوبات أشياخهم ! والقول ما قال بعض العدليّة فيهم :
لجماعةٌ سمّوا هواهم سُنّةً * وجماعةٌ حُمُرٌ لعمري موكفة « 4 »
قد شبّهوه بخلقه وتخوّفوا * شَنْعَ الورى فتستّروا بالبلكفة
وحمل الآية على أنّها ترجمة عن مقترح قومه وحكاية لقولهم .
وتفسير آخر ، وهو : أن يريد بقوله :
« أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ »
عرّفني نفسك تعريفا واضحا جليّا ، كأنّها إراءة في جلائها بآية ، مثل آيات القيامة التي تضطرّ الخلق إلى معرفتك ، أنظر إليك : أعرفك معرفة اضطرار ، كأنّي أنظر إليك ، كما جاء في الحديث : « سترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر » بمعنى : ستعرفونه معرفة جليّة هي في الجلاء كإبصاركم للقمر إذا
هامش
( 1 ) - . الكشّاف ، ج 1 ، ص 344 - 345 ؛ راجع : التفسير والمفسّرون ، ج 1 ، ص 464 - 467 .
( 2 ) - . الأعراف 143 : 7 .
( 3 ) - . لأنّهم قالوا : إنّه يُرى بلا كيف ، أي لا تسأل عن كيفيّة رؤيته تعالى . والبلكفة مخفّفة ذلك . وعدّ الزمخشريّ ذلك ذريعة للتخلّص من مأزق القول بالجسميّة والقول بالجهة ، فهو من منصوبات أشياخهم ، أي شبكات يتصيّدون بها الضعفاء .
( 4 ) - . أي موضوع عليها الإكاف وهي البرذعة . وهي بمنزلة السرج للفرس .