والظاهرة العجيبة في خصومة الزمخشريّ ، أنّه يحرص كلّ الحرص على أن يحوّل الآيات القرآنيّة التي وردت في حقّ الكفّار ، إلى ناحية مخالفيه في العقيدة من أهل الحديث ، ففي سورة آل عمران حيث يقول تعالى :
« وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ »
« 1 » ، نجد الزمخشريّ بعد ما يعترف بأنّ الآية واردة في حقّ اليهود والنصارى يجوز أن تكون واردة في حقّ مبتدعي هذه الامّة ، وينصّ على أنّهم « المشبّهة » و « المجبّرة » و « الحشويّة » وأشباههم « 2 » .
وفي سورة يونس ، حيث يقول تعالى :
« بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ »
« 3 » ، يقول : بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن وفاجأوه في بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره ، وقبل أن يتدبّروه ويقفوا على تأويله ومعانيه ؛ وذلك لفرط نفورهم عمّا يخالف دينهم ، وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم ، كالناشئ على التقليد من « الحشويّة » إذا أحسّ بكلمة لا توافق ما نشأ عليه وألفه وإن كانت أضوأ من الشمس في ظهور الصحّة وبيان الاستقامة أنكرها في أوّل وهلة ، واشمأزّ منها قبل أن يحسّ إدراكها بحاسّة سمعه ، من غير فكر في صحّة أو فساد ؛ لأنّه لم يشعر قلبه إلّا صحّة مذهبه وفساد ما عداه من المذاهب « 4 » .
ولقد أظهر الزمخشريّ تعصّبا قويّا لمذهبه ، إلى حدّ جعله يُخرج خصومه السُنّيّين من دين اللّه ، وهو الإسلام ؛ وذلك حيث يقول عند تفسيره لقوله تعالى :
« شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ »
« 5 » : فإن قلت : ما المراد بأُولي العلم الذين عظّمهم هذا التعظيم ، حيث جمعهم معه ومع الملائكة في الشهادة على وحدانيّته وعدله ؟
قلت : هم الذين يثبتون وحدانيّته وعدله بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة ، وهم علماء العدل والتوحيد - يريد أهل مذهبه - .
هامش
( 1 ) - . آل عمران 105 : 3 .
( 2 ) - . الكشّاف ، ج 1 ، ص 399 .
( 3 ) - . يونس 39 : 10 .
( 4 ) - . الكشّاف ، ج 2 ، ص 347 - 348 .
( 5 ) - . آل عمران 18 : 3 .