وهكذا سار كورش ( ذو القرنين ) بجيوشه نحو مغرب الشمس ( غربيّ بلاد فارس - آسيا الصغرى ) حتّى أوقفه البحر ، ولم يكن من شبر أمامه من يابس - في مسيرته تلك - !
فماذا بعد قرص الشمس المحتقن وقد تخضّب بحمرة كأنّه ينزف ما فيه من طاقة . . .
ماذا بعد قرص الشمس وقد اصفرّ واحتَضَر وتضاءل عند الأفق ، ثمّ هوى وسقط غارقا في العين الحمئة . . . « 1 » في خليج « إزمير » ، « 2 » بين الماء والطين الأسود العكر الّلذين يسكبهما نهر « جيديس » ؟
لقد رأى كورش ( ذو القرنين ) في هذا المشهد ما يشدّه إلى الخالق الأعظم ، مالك السماوات والأرض ومسيّر الأفلاك القابض الباسط العظيم المتعال .
لقد تضاءل - رغم ملكه العريض - أمام سقوط الشمس في عين حمئة ، حيث أظلمت الدنيا بعدها ، فعرف أنّ لكلّ شيء نهاية ، وكلّ شيء هالك إلّا وجه اللّه الكريم . لقد توصّل كورش - بما لديه من خلفيّة روحيّة استمدّها من زرادشت - إلى حقيقة البعث والممات ، وعظمة اللّه في الآفاق .
هذا هو شعب ليديا قد صار في قبضته ، فماذا يفعل بهم ؟
لقد منح اللّه ذا القرنين حرّية اختيار العفو عنهم أو تأديبهم والتنكيل بهم . . . واختار ذو القرنين العفو عمّن تاب وآمن . وقال : من كان هذا شأنه فسماح وعطف ويسر وتكريم وأمان ورحمة . ومن كفر وطغى وتجبّر فضرب بالأعناق وعنف وتأديب .
قال تعالى :
« فَأَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً . قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً . . . قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً » .
« 3 »
هامش
( 1 ) - والعين - هنا - : لجّة الماء وعبابُه المتموّج ، فيترائى للناظر على ساحل البحر كأنّ الشمس تغرب في عبابه ، كما أنّ الناظر إليها وهي تغرب في البرّ ، كأنّها تغرب في أرض ملساء .
( 2 ) - هي « سميرنا »( Smyrne )القديمة ، مرفأ عظيم في تركيا على بحر إيجة .
( 3 ) - الكهف 86 : 18 - 88 .