والتعبير في هذا البيان : أنّ الربّ نبّه روح كورش . وهو الوحي بمعنى الإلهام .
وهذا يتّحد مع قوله هو : وهو أوصاني أن أبني له بيتا . . . أي وقع في خلدي فعل هذا الخير . وكلّ فكرة خير إنّما هو من عند اللّه . كما أنّ فكرة الشرّ من الشيطان .
« وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ » .
« 1 » « وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّا شَياطينَ الْاءنْسِ وَالْجِنِّ
يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً » .
« 2 »
وهذا هو إلهام الشرّ الشيطاني . أمّا إلهام الخير الرحماني ، فهو كما بشأن امّ موسى :
« وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ . . . » .
« 3 » وأوحينا بمعنى ألهمنا ، في القرآن كثير .
وهكذا « قلنا » حديثا مع ذوات الأنفس وليس مشافهةً بالكلام . وليس بشأن الإنسان فحسب ، بل بشأن الحيوان والجماد ، أيضا كثير .
فجاء حديثا مع أصحاب البقرة :
« فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » .
« 4 » إذ لم يكن خطاب مشافهة ، ولا دليل على أنّه بواسطة الرسول . والمحتمل قويّا هو إيحاء هذا المعنى كما في امّ موسى .
وهكذا قوله بشأن بني إسرائيل - بعد هلاك فرعون - :
« وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ . . . » .
« 5 » إلقاء في النفوس بطبيعة الحال .
وكان الخطاب مع النار في قوله تعالى :
« قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ »
« 6 » أيضا من قبيل إيحاء إرادته تعالى ، لكن تكوينا . نظير الإيحاء إلى النحل والنمل وسائر الحيوان ليسلكوا سبل ربهم ذُلُلًا .
ومن هذا القبيل قوله تعالى بشأن مَرَدة بني إسرائيل :
« فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ » .
« 7 » لم يكن خطاب تكليف بل خطاب تكوين .
وهكذا الحديث مع الأرض والسماء في قوله تعالى :
« وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا
هامش
( 1 ) - الأنعام 121 : 6 .
( 2 ) - الأنعام 112 : 6 .
( 3 ) - القصص 7 : 28 .
( 4 ) - البقرة 73 : 2 .
( 5 ) - الإسراء 104 : 17 .
( 6 ) - الأنبياء 69 : 21 .
( 7 ) - البقرة 65 : 2 .