فهذا عزيز مصر - ينقل كلامه القرآن حينما واجه امرأته ويوسف على حالة استنكرها - يقول :
« يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ » .
« 1 » فيخاطب يوسف أوّلًا ، ثُمَّ يلتفت إلى امرأته يوبّخها .
وكلا الخطابين منساق في نسقٍ واحد ولكن في واجهتين ، وقد نقله القرآن على شاكلته الأولى . والقرآن كلّه من هذا القبيل ، لأنّه كلام اللّه واجه به عباده في صياغة خطاب ولم ينزل في صياغة كتاب . ومن ثَمَّ كانت فيه هذه الكثرة من الالتفات والتنقّل في الكلام .
الأمر الذي زاد في طراوته وزان في طلاوته .
يقول تعالى :
« إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً . لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا » .
« 2 »
يبتدئ الكلام بالخطاب مع الرسول ويتحوّل من فوره إلى مواجهة المؤمنين .
ثُمَّ الضماير المتتابعة الثلاثة
« وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ »
يعود الأوّلان منها إلى النبيّ والثالث إلى اللّه ! وهذا من مداورة الكلام من وجهةٍ إلى وجهة ، ويُعدُّ من ألطف صنع البديع .
ولا يخفى أنّ مثل هذا لا يدخل في متشابه الكلام بعد معروفية مراجع الضمائر لدى المخاطبين النابهين . وهو من حُسن الوجازة وظريف البيان ( في ظاهر إبهام وواقع إحكام ) سهلًا ممتنعا يكسو الكلام حلاوةً ممتعة .
فبدلًا من أن يكون الكلام مشوَّها مضطرب المفاد - حسبما راقه المتعرّب المتكلّف - أصبح حلوا سائغا يستلذّه المستمع النبيه .
ومثله في القرآن كثير ويكون من لطيف صنع البديع .
وبديعة الالتفات كانت غرّة البدائع التي ازدان بها كلام ربّ العالمين وقد بحثنا عنها وعن أنواع ظرائفها عند البحث عن روائع فنون بدائع كلامه تعالى ( في المجلّد الخامس من التمهيد ) . ونبّهنا هناك على أنّه لابدّ في كلّ التفاتة من فائدة رائعة وراء تطرية الكلام
هامش
( 1 ) - يوسف 29 : 12 .
( 2 ) - الفتح 8 : 48 و 9 .