هذا ، والقرآن لم يتجاوز حدود أساليب العرب في استعمال اللغات ، فلاموضع للأخذ عليه بسبب الأخذ برخص اللغة الأصيلة والجري على مناهجها القويمة .
ولعلّه من التعسّف ما زعمه البعض من كونه جمعا لإلياسيّ - بياء النسبة المشدّدة - ثمّ خفّف بحذف ياء النسبة وجمع بالياء والنون ، كما قالوا : الأشعرون ، يراد : الأشعريّون . « 1 »
« وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا »
« 2 »
تبتدئ سورة الأنبياء المكّيّة بمطلع قويّ الضَرَبات ، يَهُزُّ القلوبَ هَزّا وهو يُلفتها إلى الخطر القريب المُحدق وهي عنه غافلة لاهية :
« اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ
. . .
لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ . . . »
« 3 »
ويزيدهم غفلةً : أنّهم أسرّوا النجوى - أي تواطَأوا فيما بينهم تجاه مقابلة الحقّ الذي أتاهم ليصدّوا عنه . وكانت النجوى التشكيك في رسالة اللّه على يد بشرٍ مثلهم :
« هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ . . . » .
« 4 »
وهل كانت التوطئة الخبيثة إلّا من قبل الملأ الذين سطوا في البلاد وأظهروا الفساد بين العباد . ومن ثَمَّ جاءت كلمة
« الَّذِينَ ظَلَمُوا »
اختصاصية ، فاصلة بين الفاعل - لغرض تبيينه - والمفعول به . وهو أبلغُ تفضيعا بشأنهم ممّا لو أسند الفعل إليهم رأسا .
والمعنى : وأسرّ الغافلون النجوى - وأخصّ منهم الذين ظلموا - . . . هؤلاء ، أشدّ وطئا من سائر الغَفَلَة الذين يشكّلون عامّة المشركين آنذاك .
وقد ذكر النحاة : أنّ محلّ
« الَّذِينَ ظَلَمُوا »
إمّا نصب على إرادة الاختصاص ، أو رفع على الإبدال من ضمير الجمع . قال الزمخشري : إشعارا بأنّهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسرّوا به . « 5 » وهكذا ذكر العلّامة البلاغي بشأن الآية . « 6 »
هامش
( 1 ) - إملاء مامنّ به الرحمان ، ج 2 ، ص 207 .
( 2 ) - الأنبياء 3 : 21 .
( 3 ) - الأنبياء 1 : 21 و 2 .
( 4 ) - الأنبياء 3 : 21 .
( 5 ) - الكشّاف ، ج 3 ، ص 102 .
( 6 ) - الهدى إلى دين المصطفى ، ج 1 ، ص 384 .