وكلّ أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلّا الفرقدان
وقال زهير :
ألا لا أرى علّ الحوادث باقيا * ولا خالدا إلّا الجبال الرواسيا
وإلّا السماء والنجوم وربَّنا * وأيّامَنا معدودةً واللياليا
لأنّه توهّم أنّ هذه الأشياء لا تفنى ، وتخلد .
قلت : وهذا الوجه الرابع هو الرأي السديد حسب الظاهر .
وأمّا الكلام في الاستثناء فقد اختلف فيه أقوال العلماء على وجوه :
أحدها : أنّه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار ، والزيادة من النعيم لأهل الجنّة .
والتقدير : إلّا ما شاء ربُّك من الزيادة على هذا المقدار ( أي المضاعفة في العقوبة والمثوبة ، إضافةً إلى جانب الخلود ، من أنواع العقوبة والنعيم ) .
وهذا كما يقول الرجل لصاحبه : لي عليك ألف دينار إلّا الألفين اللذين أقرضتكهما وقت كذا . فالألفان زيادة على الألف بغير شكّ ، لأنّ الكثير لايستثنى من القليل . عن الزجّاج والفرّاء وعليّ بن عيسى وجماعة .
وعلى هذا فيكون « إلّا » بمعنى « سوى » . أي سوى ما شاء ربُّك . كما يقال : ما كان معنا رجل إلّا زيد ، أي سوى زيد .
وثانيها : أنّ الاستثناء واقع على مقامهم في المحشر والحساب ، لأنّهم حينئذٍ ليسوا في جنّة ولا نار ، ومدّة كونهم في البرزخ الذي هو ما بين الموت والحياة ، لأنّه تعالى لو قال « خالدين فيها أبدا » ولم يستثن لظنّ الظانّ أنّهم في النار والجنّة من لدن نزول الآية أو من انقطاع التكليف . فحصل للاستثناء فائدة . عن المازني وغيره . واختاره البلخي .
فإن قيل : كيف يستثنى من الخلود في النار ما قبل الدخول فيها ؟ فالجواب : أنّ ذلك جائز إذا كان الإخبار به قبل دخولهم فيها .
وثالثها : أنّ الاستثناء الأوّل يتصل بقوله :
« لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ »
. وتقديره : إلّا ما شاء ربُّك من [ سائر ] أجناس العذاب الخارجة عن هذين الضربين ، ولايتعلّق الاستثناء