غطّيته فقد كفرته . « 1 » ومنه قيل : تكفّر فلان في السلاح : إذا تغطّى . ومنه قيل للّيل : كافر : لأنّه يستر بظلمته كلّ شيء . ومنه قول الشاعر ( هو لبيد بنربيعة ) :
يعلُو طريقَةَ متنها متواترا * في ليلةٍ كفر النجومَ غمامُها « 2 »
وقالوا في قوله تعالى :
« وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ » :
« 3 » استثناؤه المشيئة من الخلود يدلّ على الزوال ، وإلّا فلا معنى للاستثناء . ثم قال :
« عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ »
أي غير مقطوع !
وقوله :
« إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ »
« 4 » أي غير مقطوع ومن غير أذى ، فكيف التوفيق ؟ !
قال ابنقتيبة في الإجابة على ذلك : إنّ للعرب في معنى « الأبد » ألفاظا يستعملونها في كلامهم ، يقولون : لا أفعل ذلك ما اختلف الليل والنهار ، وما طمى البحر أي ارتفع ماؤه وامتلأ ، وما أقام الجبل ، وما دامت السماوات والأرض ، في أشباه لهذا كثيرة ، يريدون :
لا أفعله أبدا ؛ لأنّ هذه المعاني عندهم لاتتغيّر عن أحوالها أبدا ، فخاطبهم اللّه بما يستعملونه ، فقال :
« خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ »
أي مقدار دوامهما ، وذلك مدّة العالم .
وللسماء والأرض وقت يتغيّران فيه عن هيئتهما ، يقول اللّه تعالى :
« يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ » .
« 5 » ويقول :
« يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ » .
« 6 »
أراد أنّهم خالدون فيها مدّة العالم ، سوى ما شاء اللّه أن يزيدهم من الخلود على مدّة العالم . و « إلّا » في هذا الموضع بمعنى « سوى » . ومثلُه في الكلام : لأسكننّ في هذه الدار حولًا إلّا ما شئت ، تريد : سوى ما شئت أن أزيد على الحول .
هامش
( 1 ) - وإنّما يقال للملحد « كافر » لأنه غطّى فطرته وستر نداء ذاته بالوحدانية .
( 2 ) - أي يعلو طريقة متن هذه البقرة مطر متتابع في ليلةٍ ظلماء على أثر تراكم السُحُب التي غطّت وجه النجوم . والطريقة :
خطّة مخالفة للون البقرة . والمتنان : مكتنفا الظهر . وقد استشهد بهذا البيت الطبري في التفسير ، ج 1 ، ص 86 ، وابنقتيبة في تأويل مشكل القرآن ، ص 76 .
( 3 ) - هود 108 : 11 .
( 4 ) - فصّلت 8 : 41 .
( 5 ) - إبراهيم 48 : 14 .
( 6 ) - الأنبياء 104 : 21 .