بالخلود . وفي أهل الجنّة يتّصل بما دلّ عليه الكلام ، فكأنّه قال : لهم فيها نعيم إلّا ما شاء ربّك من أنواع النعيم . وإنّما دلّ عليه قوله :
« عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ »
. عن الزجّاج .
ورابعها : أن يكون « إلّا » بمعنى الواو ، أي : وما شاء ربّك من الزيادة . عن الفرّاء .
واستشهد على ذلك بقول الشاعر :
وأرى لها دارا بأَغْدِرَةِ السي - * - دان لَم يَدْرُسْ لها رسمُ
إلّا رمادا هامدا رفعت * عنهُ الرِّياحَ خوالدٌ سحم « 1 »
قال : والمراد ب - « إلّا » هاهنا « الواو » ، وإلّا كان الكلام متناقضا . وهذا الوجه قد ضعّفه المحقّقون من النحاة .
وخامسها : أنّ المراد ب - « الذين شقوا » من ادخل في النار من أهل التوحيد ، الّذين ضمّوا إلى إيمانهم وطاعاتهم ارتكاب المعاصي . فقال سبحانه : إنّهم معاقبون في النار إلّا ما شاء ربُّك من إخراجهم إلى الجنّة وإثابتهم على الطاعات . ويجوز أن يريد ب -
« الَّذِينَ شَقُوا »
جميع الداخلين إلى جهنّهم ، ثمّ استثنى بقوله :
« إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ »
أهل الطاعات . وقد يكون « ما » بمعنى « مَن » أي : إلّا من شاء ربُّك .
وأمّا في أهل الجنّة فهو استثناء بحسب ما تقدّموه في النّار . وتكون « ما » بمعناها ويكون الاستثناء من الزمان ، بخلاف الأوّل الذي كان استثناء من الأعيان . ويكون
« الَّذِينَ شَقُوا »
- بناءا على هذا القول - هم الذين سُعدوا بأعيانهم ، وإنّما أجرى عليهم كلّ لفظ في الحال التي تليق به . فإذا ادخلوا في النار وعوقبوا فيها فهم أهل الشقاء ، وإذا نقلوا منها إلى الجنّة فهم أهل السعادة . وهذا قول ابنعباس وجابر بنعبداللّه وأبيسعيد الخدري وقتادة والسدّي والضحّاك وجماعة من المفسّرين .
وروى أبو روق عن الضحّاك عن ابن عباس قال :
« الَّذِينَ شَقُوا »
ليس فيهم كافر ، وإنّما هم قوم من أهل التوحيد يدخلون النار بذنوبهم ثمّ يتفضّل اللّه عليهم فيخرجهم من النار إلى الجنّة ، فيكونون أشقياء في حال ، سعداء في حالٍ أخرى .
هامش
( 1 ) - أغدرة السيدان : موضع . والخوالد : الأثافي ، وهي الأحجار الثلاثة التي يوضع عليها القدر . والسُحمُ : السُود .