قوله :
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ » ؟
« 1 » أيّ رابطة بين الصبور الشكور وجريان الفلك في البحور ؟
لكن لم يُرِد اللّه في هذا الموضع معنى الصبر والشكر خاصّةً ، وإنّما أراد : إنّ في ذلك لآيات لكلّ مؤمن ، والصبر والشكر أفضل ما في المؤمن من خلال الخير ، فذكره اللّه عزّوجلّ في هذا الموضع بأفضل صفاته . وقال في موضعٍ آخر :
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ » .
« 2 » وفي موضعٍ آخر :
« لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » .
« 3 » و
« لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » .
« 4 » و
« إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ » .
« 5 » يعني المؤمنين .
( فالمعنيّ بهذه الآيات وبهذه التعابير هم المؤمنون محضا ، وإنّما جاءت الأوصاف الخاصّة بهم عناوين مشيرة إلى ذاك المعنون بالذات ، من غير خصوصية لذات الأوصاف ) .
ومثله قوله تعالى في قصّة سبأ :
« وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ » .
« 6 » وهذا كما تقول : إنّ في ذلك لآية لكلّ موحّدٍ مصلٍّ ، ولكلّ فاضلٍ تقيّ ، وإنّما تريد المسلمين حقّا . « 7 »
والخلاصة : أنّ هناك فرقا بين أخذ الأوصاف عناوين مشيرة إلى الموضوع الأصل فلا رابط بينها وبين الحكم المترتّب عليها في القضيّة ، وبين أخذها مواضيع هي علل وأسباب لثبوت تلك الأحكام المترتّبة . والآيات المنوّه عنها هي من قبيل النوع الأوّل ، لتكون الأوصاف خواصّ لازمة للموضوع من غير أن يكون لها دخل في موضوعية الموضوع ، الأمر الذي حقّقه علماء الأصول .
* * * وقوله :
« كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ » .
« 8 » فإنّما يريد بالكفّار هاهنا الزرّاع ، واحدهم كافر . وإنّما سمّي كافرا لأنّه إذا ألقى البذر في الأرض كفره ، أي غطّاه وستره ، وكلّ شيءٍ
هامش
( 1 ) - لقمان 31 : 31 .
( 2 ) - الحِجر 77 : 15 .
( 3 ) - النحل 69 : 16 .
( 4 ) - النحل 67 : 16 .
( 5 ) - الرعد 19 : 13 .
( 6 ) - سبأ 19 : 34 . وانظر : إبراهيم 5 : 14 والشورى 33 : 42 .
( 7 ) - راجع : تأويل مشكل القرآن ، ص 75 .
( 8 ) - الحديد 20 : 57 .