الثبوت بذاته واضحا جليّا من غير حاجة إلى إقامة حجّة ودليل .
فهو في حقيقته قسم ، لكن بصورة سلبية هي آكد من صورة الإيجاب .
وما كان اللّه ليعذّبهم وأنت فيهم
سؤال :
قال تعالى :
« وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ » .
« 1 »
ضمن تعالى أن لايعذّب العرب على قيد أحد شرطين : حضور النبيّ بين أظهرهم ، أو استغفارهم هم . ومن ثمّ قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : « كان في الأرض أمانان من عذاب اللّه ، وقد رُفع أحدهما ، فدونكم الآخر فتمسّكوا به . أمّا الأمان الذي رفع فهو رسول اللّه صلى الله عليه وآله وأمّا الأمان الباقي فالاستغفار » . ثمّ تلا الآية . « 2 »
لكن يتعقّب الآية ما ينافي ذلك ظاهرا ، وهو قوله :
« وَما لَهُمْ
أن لا
يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ » .
« 3 »
فكيف التوفيق ؟
جواب :
إنّ سياق الآيتين يدلّنا على اتصالهما ونزولهما معا إحداهما تلو الأخرى مباشرةً ، الأمر الذي يستدعي وئاهما طبعا وعدم تنافيهما ، حيث المتكلّم النابه - فضلًا عن الحكيم - لا يتناقض في كلامه قيد تكلّمه . فزاعم التناقض واهمٌ في حدسه البتة .
على أنّه لاتهافت بين الآيتين حتّى بحسب الظاهر أيضا ، حيث الآية الأولى إنّما تنفي فعليّة العذاب وأنّه لا يقع لوجود المانع . أمّا الآية الثانية فناظرة إلى جهة الاقتضاء وأصل الاستحقاق ، فهم مستحقّون للعذاب لتوفّر المقتضي فيهم . بصدّهم عن المسجد الحرام وليسوا بأوليائه ، وإن كانوا لا يعذّبون فعلًا ما دام وجود المانع وهما الشرطان أو أحدهما . فلا منافاة بين وجود المقتضي ونفي الفعلية لمكان المانع ، كما لا يخفى .
هامش
( 1 ) - الأنفال 33 : 8 .
( 2 ) - نهج البلاغة ، قصار الحكم ، رقم 88 ، ص 483 .
( 3 ) - الأنفال 34 : 8 .