إحداهما إذا نسيت شيئا ممّا تحمّلته فإنّ الأخرى تذكّرها . وهذا ليس مقصود الآية . بل المقصود : أنّ كلتيهما عرضة للخطأ والنسيان ، فتقوم كلّ واحدة منهما بتتميم أو تكميل ما نقص من شهادة صاحبتها . فهذا التعامل والتفاعل في شهادتهما وتكامل شهادة كلّ منهما بشهادة الأخرى تعدّ شهادة واحدة كاملة في مقابل شهادة الرجل الكاملة بوحدتها .
ومن ثَمَّ وجب إعادة « إحداهما » - بلفظه لابضميره - لإفادة هذا المعنى . « 1 »
وذكر الطبرسي وجها آخر نقله عن الوزير الأديب الحسين بنعلي المغربي وهو أنّ المعنى : أن تضلّ إحدى الشهادتين عن إحدى المرأتين فتذكّرها بها المرأة الأخرى . فجعل « إحدى » الأولى للشهادة والثانية للمرأة . قال : معناه أن تضلّ إحدى الشهادتين أي تضيع بالنسيان ، فتذكّر إحدى المرأتين الأخرى ، وبذلك لم يتكرّر اللفظ .
وأيّده الطبرسي بأنّ نسيان الشهادة لايسمّى ضلالًا ولايسمّى ناسي الشهادة ضالًاّ لأنّ الضلال معناه الضياع ، والمرأة لا تضيع ، ويقال للشهادة ضلّت إذا ضاعت . كما قال سبحانه :
« قالُوا ضَلُّوا عَنَّا »
« 2 » أي ضاعوا منّا . « 3 » ومثله
« لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى » .
« 4 »
لكن الزمخشري فسّر الآية على ظاهرها ، قال :
« أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما »
أن لاتهتدي إحداهما للشهادة بأن تنساها ، من قولهم : ضلّ الطريقَ ، إذا لم يهتد إليه . « 5 » فيكون الضلال هنا بمعنى عدم الاهتداء .
وقوله تعالى :
« ضَلُّوا عَنَّا »
أي ذهبوا عنّا وافتقدناهم . فلا يقدرون على الدفع عنّا وبطلت عبادتنا إيّاهم . « 6 » وقوله :
« لا يَضِلُّ رَبِّي »
أي لا يذهب عليه شيء ، « 7 » بمعنى : لايفقده ولا يغيب عنه .
وقد فسّر الراغب « الضلال » في الآية بمعنى النسيان . « 8 »
هامش
( 1 ) - راجع : تفسير المنار لمحمّد عبده ، ج 3 ، ص 123 .
( 2 ) - الأعراف 37 : 7 .
( 3 ) - مجمع البيان ، ج 2 ، ص 398 .
( 4 ) - طه 52 : 20 . والآية ذكرها الشيخ محمد عبده تأييدا للطبرسي حسب الظاهر .
( 5 ) - الكشّاف ، ج 1 ، ص 326 .
( 6 ) - مجمع البيان ، ج 4 ، ص 416 .
( 7 ) - المصدر : ج 7 ، ص 13 .
( 8 ) - أي في قوله تعالى :« أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ». البقرة 282 : 2 .